"ستتذوق طعم التوت من جهتين : من التاء المتصلة ومن التاء المفتوحة كراحة اليد" محمود درويش

أنا وشجرة التوت ج1


هوًى رقيقٌ يمتدّ بيني وبين فاكهة التوت، تلك التي تأسرني جاذبيتها بثوبها المزركش والمُرصَّع باللآلئ المتراصّة، ببياض لونها النقيّ إلى الأحمر الوردي حمرة الاستحياء، إلى الأحمر المُسْترجِن ينشُدُ ثأره من الشفتين، وكأنّها تعمدُ لهذا التلوُّن كي تُرضي معشوقها، تزهو بمظهرها الممشوق وملمسها المخملي الخجول بملامح أنثوية خلابة، وكلّ حبّة منها تروي حكاية رقيقة وهي تتدلّى من أغصان الأم بلطافة إلّا أنّ لها جذورا راسخة تغور في عمق الأرض لتبدوَ فوقها شامخة شموخ الحق كالجبل الراسي. 

ما لبثتْ ظلال هذه الشجرة العريقة تُلازمني ونفسي تُحدثني بحبّها إلى أنْ عزمتُ زراعتها بكلتا يديّ رغم معرفتي بطول الفترة الزمنية التي تحتاجها لتُثمِر وتُزهر. ولكن لا ضَيْر أن تروي أحلامك بماء الصّبر والترقُّب، أن تسكب فيها عصارةَ روحك مجبولةً بالأمل والتفاؤل، تعهّدْتُها بالرعاية والودّ كمن يرقبُ بشغفٍ مولودا طال انتظاره. ويا لفرحتي عندما انبثقت أولى وُرَيقاتها الصغيرة وآمالي تتراءى لي يوما تلو الآخر ، احتضنَتْها نظراتي برقةٍ وجعلتُ قلبي سياجا يحميها في كل حينٍ وآونة،  والغبطةُ تدغدغ ذاكرتي كلّما جالسْتُها وحادثْتُها في ومَضاتٍ متقطعة يلفُّها وهجٌ جميل ، هي أشلاء  ذكرى تعلّقَتْ بأذيال طفولتي عندما كنتُ أنا وابنة عمي نتشبّثُ بأحضان جبلٍ صغير في إحدى القرى التركية، حيثُ يتأوّه الحصى تحت وقع أقدامنا ليتناثر خلفنا متذمرا، تصحَبُه ضحِكاتُنا الطفولية تصدحُ في حنايا الجبل،  ونحن نُسابق الثواني والدقائق قبل أن يتنبّه الأهل في الفندق الحجري لغيابنا. نخطو على صفحة الأرض برويّةٍ فتُرسِلُ نغَماتِها مع كلّ وتيرة، نصعدُه من سَفْحِهِ حتى ذَرْوَتِه لنعانق أعلاه خمائل شجيراتٍ أنيقة ساحرة من التوت الأحمر والأسود، وأحلامُنا الرضيعةُ تتراقصُ بينها بخفّةٍ، أما أيدينا فتجني حُمرتَها فيصطبغُ ثوبانا  بها وشاحًا يفضحُ رحلتَنا، ويُفشي خطواتِنا المُختَلَسَة، فقد أَبَتْ حبّات التوت أن تواريَ سرَّنا الصغير. وقبل أنْ تغرق الشمسُ خلف التلال نعود أدراجنا مُهروِلين كمن يتخبّطُه الشيطانُ من المَسّ،  وما إنْ نصلْ حتى تصفعنا عباراتُ التأنيبِ والتثريب من ذوينا.. فترتسمُ علامات البراءة والاستكانة على مُحيّا وجهَيْنا، خشية أن تتفلّتَ منّا الضحكاتُ فتجرِّسُنا. هكذا كنتُ أُرَوّحُ عن نفسي في ساعات الانتظار بذاكرةٍ تغلي بأطيافٍ ملؤُها الحبُّ والأمان، لحظاتٍ يصعبُ استجداؤُها من زمنٍ بهيٍّ جميل. ذاك الفاصلُ الزمنيُّ بين النّقاء والغموض، وبين الحشمة والفجور وبين تعاسة الروح والحبور.. يتبع....


سهى أبو الرب

سقيا الظمأ


التعليقات