أمي كانت معلمتي الأولى ، تعلمت منها معنى النجاح ، كيف أحول الفشل لفرصة للنجاح وفي شرفة منزلنا تعلمت الحياة .

شرفات المنازل لها مكانة خاصة عند النساء أو هذا ما كنت أعتقده ، فمهما كان حجمها صغيرة كانت أم كبيرة فإن  معظم النساء ومن ضمنهن أمي يولينها عناية خاصة ، فترى فيها أصص الورود المتنوعة والمقاعد المريحة ، فأمي تنفق الكثير من الوقت في العناية بها وترتيبها وتنظيفها يوميا ، ومع انشغالي في الدراسة سنوات طوال ما بين المدرسة والجامعة غفلت كل ذلك الوقت عن الاستمتاع بهذه التحفة المسماة شرفة المنزل .

وكم كان غريبا لشخص مثلي يفكر بالعقل لا بالقلب أن أرى نظرة السرور في عيون أمي عندما تستقبل جارتها أو صديقتها أو خالة من خالاتي في الشرفة ، فتواصل التنقل بين الشرفة والمطبخ مثل الفراشة لتعد لهن المشروبات الباردة أو الساخنة والمقبلات اللذيذة وكل ذلك وسط أحاديث لا تنتهي ، وأسرارا تنتشر في الفضاء ، وتتبع الأخبار من كل حدب وصوب ، فتارة أسمع ضحكاتهن العالية وتارة أسمع تنهيدات الحسرة على ماض ذهب ولن يعود ، وعندما يسود الصمت أعلم بأن دمعة حارة ذرفتها إحداهن فكان الصمت نوع من المواساة لا تتقنه سوى النساء .

شرفة منزلنا مثل باقي الشرفات لها قدسية وخصوصية تختلف عن باقي حجرات المنزل ، فهي المتنفس الوحيد لوالدتي كما تسميها ، شرفة منزلنا ليست ككل الشرفات .

أنهيت دراستي الجامعية ، وبدأت رحلة البحث عن عمل ، وهذه دوامة لا يعرفها إلا الذين خاضوا غمارها ، فالشركات تطلب الخبرة ، ولتحصل على الخبرة تحتاج أن تعمل ، وتضيع أنت ما بينهما ، أمضي ساعات طوال أمام الحاسوب أعمل على سيرتي الذاتية ، وطبعا كي ترسل سيرتك الذاتية عليك تعبئة نماذج معقدة حد السخف ، والسؤال العقيم دائما من الذي يعد هذه النماذج ؟ولماذا يفترض أننا جميعا متخصصون بعلوم الحاسوب ونعلم كل شاردة وواردة فيه لتعبئة نموذج من عشر صفحات ، وكتابة نفس المعلومات الموجودة في السيرة الذاتية .

وفي وسط هذه الدوامة تأتي فترة المقابلات التي لا جدوى من معظمها سوى إضاعة الوقت والجهد .

عدت من أخر مقابلة وأنا في حالة يرثى لها نفسيا ، دخلت المنزل فلم أجد أحدا ، وكانت هذه فرصة لي كي أعبر عن غضبي دون أن يحاكمني أحد ، دون أن يقول لي أحدهم اهدأ فأنا لا أريد أن أهدأ ، أريد أن أصرخ أن أبكي ، أن أخرج ما في صدري من لعنات حبستها طويلا ، وبعد أن أخرجت ما بجعبتي وقع نظري على باب الشرفة المفتوح فتوجهت للشرفة وجلست فيها أتأمل وضعي وحياتي ، فألقيت جسدي المتعب على أحد المقاعد مغمض العينين منغلق الفكر ، فما رأيته اليوم يكفيني .

سكون الشرفة أغراني بأن أفتح عيني ، فاعتدلت بجلستي وبدأت أتأمل البنايات المحيطة وشرفات المنازل المجاورة ، الوقت يقترب من الظهيرة وكنا في بدايات الخريف ، والجو يشعرك بالهدوء ، عندما لمحت طائرا صغيرا يحوم بحذر حول سور الشرفة ولما  اطمأن توجه نحو الجدار حيث علقت أمي شيئا يشبه الكوخ الخشبي ، أنا أعرف هذا الكوخ ، حدثت نفسي ونبشت في الذاكرة ، أجل أجل ، هذه ساعتنا القديمة والتي احتلت غرفة الجلوس زمنا ، حيث يخرج منها طائر صغير معلنا الوقت ، ولكنه اختفى بعد أن أوقعته أختى الصغيرة وتعطلت الساعة فلم يعد يصلح لشي ، وكم كنت مخطئًا وقتها ، فأمي لديها قدرة عجيبة على تدوير الأشياء ، وها أنا أراه مرة أخرى وبشكل أخر يحتوى على طعام خاص بالطيور ، ألصق به عصى صغيرة يقف عليها الطائر ثم يمد رأسه في الفتحة ليلتقط بعض الحب من هناك ، أدخل الطائر الصغير رأسه وتناول بعض الحب ثم حلق من جديد ، جلست وقد شدني الموضوع لأراقب الطيور المتنوعة التي تأتي لتأخذ نصيبها من الطعام ، كم شعرت بالفخر حينها فأمي تعتني بكل من حولها حتى الطيور العابرة ، كم أنت عظيمة يا أمي ، وعندها قررت بأن شرفة منزلنا عالم قائم بذاته ولا بد لي من الاستمتاع بهذا السكون وهذا المكان ، وأخذ الدروس والعبر من أمي ، فالفرص لا تضيع وانما تتحول من شكل لأخر وما لا يصلح لعمل ما يمكن تحويله لعمل أخر ، لن أيأس بعد اليوم ، وسأتعلم من أمي وشرفتها كيف يمكنني أن أعيد ترتيب حياتي من جديد .


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

جماليات المجالس
الأمهات وقود الحياة 🌺🌺

إقرأ المزيد من تدوينات قلمي / عبير الرمحي

تدوينات ذات صلة