هل نستطيع حقاً التخفف من أعبائنا النفسيّة والمضي قدماً في رحلة التغيير؟

واحدةٌ من الأشياء التي تعلمتها خلال ممارستي وتعلمي في العلاج النفسي هي قدرة الإنسان على التجاوز والتغيير.

ولكن حينما يريدُ أحدنا أن يتخلص من وزنٍ زائد يسعى جهده كي يبحث عن طرقٍ سريعة للتخلص من الوزن في أقلِ مدةٍ ممكنة، كحبوبِ سدِّ الشهية، تناول الخضار لأيام دون توازن وانتباه لبقية العناصر الغذائية وغيرها كثير.يحدث هذا عادةً بغية حضور مناسبةٍ مهمة وارتداء أجمل الحلل، أو لسببٍ صحيّ، أو للرغبة في التغيير ولكن دون الشعور بالمعاناة وتحقيقاً لأفضل هدف بسرعةٍ قصوى!

وبقليلٍ من المقارنة أرى أنَّ ذلك يشبهُ مَن يسعى لأن يتخلص من عبء الماضي، جرحٍ نفسي، صدمةٍ نفسيّة، مشاعر مؤلمة، مشكلةٍ ما، ولكن بطريقة سريعة ليمضي في حياته قدماً بأخفِ وزنٍ ممكن من الأعباء النفسية التي باتت تثقلُ كاهله!

جميعنا قد يمرُّ بلحظاتِ صعبة في حياته، فعلى الأقل عانى كلُّ واحدٍ منّا من ظرفٍ صعبٍّ واحد في حياته مثل: (الموت بفقدان أحدهم، المرض، و المعاناة تلك التي يختلف نوعها من شخصٍ إلى آخر) كما سمّاه الدكتورفيكتور فرانكل على أنه الثالوث المأساوي للوجود الإنساني في نظريته بالعلاج بالمعنى.

توحدنا المعاناة كبشر، ونختلف كأفراد في عيشنا لتلك المعاناة والآلام النفسيّة، نختلف فيها نوعاً و تعبيراً وأثراً.

وكمثال خسارة الوزن السريعة، قد يسعى بعضنا بأسرع الطرق لينسى من خلال بعض الطرق الهادمة للذات، والتي توصف على أنها تكيّفٌ سلبيّ مع آلامنا، كإيذاء الذات، الإدمان، التدخين بشراهة، العدوان تجاه الذات والآخر، وغيرها الكثير.سيخبرك دوماً أخصائيو التغذية أنَّ  أفضل وسيلة لخسارة الوزن بشكلٍ صحيّ و يبقى أثره فترةً أطول يكون من خلال الصبروإعطاء نفسك الوقت الكافي لاستبدال العادات الغذائية السيئة بأخرى جيدة، وموازنة العناصر الغذائية التي يحتاجها جسدك وممارسة الرياضة.وأما عن آلامك النفسيّة فسأخبرك شيئاً مشابهاً لذلك، إنَّ الأفكار السلبية، والمشاعر المرهقة غير المريحة، وتلك الصدمات النفسية ربما قد أخذت وقتاً طويلاً حتى أصبحت على الشكل الذي تعاني منه الآن، ربما أيامٌ كثيرة، أوسنين، ربما تعود لذكريات طفولةٍ سيئة، أو مراهقةٍ مؤلمة، وربما تعود لخذلان عميق من أشخاص وثقت بهم طويلاً، أو لتجارب صعبة في معتقلات تحت الأرض، أو لربما من فقد عزيزٍ أمام عينيك، كل تلك التراكمات النفسيّة قد استغرقت وقتها لتشعر بالضغط الذي تشعرهُ تحت وطئتها اليوم، ولذا لن تنفع معها الطرق السريعة لاستعادة التوازن.

في بعض الأحيان قد يستغرق ذلك العديد من الاستراتيجيات، من خلال العديد من الجلسات مع أخصائيٍ نفسيّ أو مجموعاتِ الدعم النفسيّ.

وقد يستهلك ذلك من دموعك كثيراً، ويتطلب منك صبراً ومجاهدةً لنفسك حتى تستطيع التغيير، ومحاولاتٍ عديدة حتى يصبح ذاك التغيير جزءاً من شخصيتك وضمن منظومتك المعرفية والانفعاليّة، ولكنك ستصل حينما تنوي ذلك وتسعى وتجاهد نفسك كل يوم في محاولةٍ جديدة لأن تتقبل ذاتك وتسامحها على أخطاء الماضي و تعترف ببشريتك، وتحاول مجدداً أن تمسك بزمام أمورك، منفتحتاً على الأفكارالجديدة، متقبلاً للتغيير نحوالأفضل الذي ترجوه لنفسك دوماً لتبرز أجمل صفاتك وتستثمر أفضل طاقاتك متخففاً من الوزن الثقيل لكل تلك الآلام النفسيّة.

هل ذلك ضربٌ من الخيال؟ كلا! بل حقيقةُ وواقع، بأنك حتماً تستطيع إن أردت بإذن الله. 


التعليقات

Halah Moammer
Halah Moammer ٥ آب ٢٠٢٠

جميل.. التقبل هو اول خطوات التشافي النفسي ♥️

ليلى الرفاعي
ليلى الرفاعي ١ آب ٢٠٢٠

مقال جميل سلس وغني وغني بالفائدة شكرا لكِ

fatima zahra M ١ آب ٢٠٢٠

مقال كثيير مفيد و ننتظر منك مقالات من هذا النوع و التخصص ... شكراااا لقلمك و لأسلوبك السلس

Amaal Jb ٢٩ تموز ٢٠٢٠

مقال رائع💕

Mariam Radwan
Mariam Radwan ٢٩ تموز ٢٠٢٠

مقال جميل جداً ومُعبِر جداً 👌🤍✨✨شكراً لكي أستاذة جُمانة🧡

Esraa Talab ١٢ حزيران ٢٠٢٠

سلمت أناملك

تدوينات ذات صلة