القلق في مساره الطبيعي هو طريقك نحو السلام.. لكن ماذا لو كنت أنت العائق بينك وبين السلام؟!

القلق كما يجب أن يكون..33752737807997170
unsplash.com


في محاولات تفسير وظائف الدماغ اشتملت على نظريات كتير جدًا جدًا، بس استكمالًا لموضوع السلام الداخلي في الأسبوع الماضي احنا حابين نطرح نظريتين مختلفتين عن بعض في شرحهم لوظائف الدماغ تحت وطأة القلق.. 


1. النظرية المعرفية:

بتشوف النظرية دي إن عقولنا بتقوم بتوليد أفكار مش دَقيقة بيُطلق عليها اسم "التشوهات المعرفية"، والتشوهات دي هي اللي بتغذّي مشاعر الخوف والتهديد جوانا وعليها بيكون سلوكنا مُشوه هو كمان. 

يعني اه زي ما أنت ما فهمت كده.. لو عرفنا نصحح الأفكار دي القلق ممكن يقل ويوصل للمستوى الصحي اللي يخليك ترجع لمسارك في الحياة وتتعايش مع وجوده بشرط إنه يكون دافع لتغييرك للأفضل مش تعجيزك ومن ثَم السلام الداخلي يفضل موجود أو يكون استيعاده أسهل. 


2. النظرية التطورية:

بتقول إن وظيفة الدماغ مش إنها تخلينا سُعداء، لا هي مُهمتها في حمايتنا من خلال إبقائنا على دراية بكل التهديدات المُحتملة، اللي هو تخلي دماغك شغالة في رسم سيناريوهات افتراضية لـ "ماذا لو؟!" لكل شيء ممكن يحصل بشكل خاظئ أو غير مُرضي بالنسبة لك.. فأنت طالما بتفترض ده أنت محمي لكن لما الحكاية بتزيد عن حدها.. أيوا بالظبط بتنقلب ضدها وللأسف ضدها ده هو بوابة المُعاناة اللي بيدخُلها صعب يطلع منها بالساهل. 


المشكلة هنا _ عزيزي القارئ_ هي إن الإنسان الناجح جدًا أو اللي طول الوقت بيسعى للنجاح بيكون واعي لده وبيبقى تحت كمية ضغط هائلة جدًا.. الناس اللي من النوعية دي أنماط تفكيرهم هي أكتر حاجة بتسببلهم قلق بسبب إنهم لازم يحققوا توقعاتهم اللي فرضوها على نفسهم، بس لو جينا نبحث ورا أنماط تفكيرهم هنلاقي إن أغلبها قائم على افتراضات غلط.. 

و ده اللي أثبته الدكتور Dimitrios Tsatiris في مقالة كتبها على Psychology Today حاول فيها يحدد أخطر 6 أنماط خاطئة في التفكير بتزوّد الشعور بالقلق واقترح بعض الحلول لكل نمط فيهم والأنماط دي حطها في صورة كلام احنا بنقوله وبنصدقه جدًا لحد ما بقى مُعتقد وعلشان كده المُعاناة ما زالت مُستمرة، لكن الخبر الكويس إنها ممكن تتغيّر وبالتغيير ده إن شاء الله هنكون أفضل ومن ثم نستعيد السلام الداخلي بتاعنا بشكل أحسن..  


1. "ده غلطي أنا!" 

احنا عايش جوانا شخص تاني بنسميه الناقد الداخلي، ده لما بنكون في حالة من القلق أو التفكير المُفرط الناقد ده بيشد علينا جامد جدًا، بتبقى في مود مبتعملش فيه حاجة غير إنك تلوم نفسك على كل شيء، لدرجة إنك تلوم نفسك على النتائج غير المرغوب فيها حتى لو هي متخصكش ومش غلطك!! 


مثلًا: أنت بتلوم نفسك علشان ما حصلتش على ترقية مُعينة في شغلك لما كان مُرشح ناس كتير جدًا مؤهلين تأهيل عالي لنفس الفرصة دي، طبعًا في وضع تنافُسي زي ده وارد قرار الترقية ده يكون طالب حاجة أعلى من قدراتك و ده أمر خارج عن إرادتك، أو حد عنده واسطة وعرف يترقى عن طريقها، أو مش نصيبك بقى وكانت رزق حد تاني.. 


الحل هنا: هو اه اعترافنا بإنه مش شيء سهل لما جهودنا متحققش النتيجة اللي بنتمناها ومستنيينها، لكن مفيش داعي نزيد الأمر صعوبة من خلال نقد وجلد الذات بشكل غير مُبرر بالذات لو الأمر مش في إيديك تغيّره. 


2. "أنا قلقان من كل حاجة." 

خلينا نتفق إن الحياة مُرهقة بشكل كبير.. بتلاقي نفسك في تخبُط بين كذا حاجة مع بعض ومشاكل كتير في أوقات غير مُناسبة على الإطلاق، واللي بيزوّد المُعاناة هنا هو إنك بتعمل تكدُس لمشاكلك دي " بتكركب الدنيا فوق دماغك يعني" بدل ما تدوّر على حل لكل مشكلة وتعالجها لوحدها.. طبعًا هنا حِدة القلق هتعلى جدًا فهتحس بثِقل المشاكل دي وبالتالي حلها هيكون أكثر صعوبة. 


وعلشان كده هنا الباحث ذكر هو بيعمل ايه مع مرضاه اللي عندهم النمط ده واقترح حل لطيف جدًا بيقول:

لما تلاقي نفسك قلقان من "كل حاجة"، اسرد مخاوفك من الـ "كل حاجة" بالترتيب من أكتر حاجة بتقلقك لأقل حاجة، وبعدين حدد مصدر قلق كل مَخوَف فيهم. 

الهدف من التمرين ده هو إنك تتعلم تقسّم مشاكلك لأجزاء تمكنّك تتعامل معاها بشكل أكثر سهولة.



3. " حاسس إني مُحاصَر." 

أوقات كتير بيكون من الصعب إننا ناخد قرارات خصوصًا لما بنعتبرها قرارات مفيش رَجعة فيها، بس الأصعب هو إننا نفترض إن كل القرارات نهائية ومفيش مجال للتراجع فيها!! 

رغم كده، بشوية تفكير عقلاني وموضوعي هتلاقي إنه ممكن نتراجع عن قرارت كتير.. 


مثلًا: زي شُغلك لو مش راضي عنه ومش جايب همه بالنسبة لك فأنت تقدر دايمًا تدوّر على شُغل تاني يناسبك،، لو مش راضي عن المكان اللي أنت عايش فيه فأنت تقدر تستكشف أماكن تانية تكون أفضل،، قيس على ذلك العلاقات؛ لو أنت في علاقة سامة أو غير صحية تقدر تنهيها وتكوّن علاقات تانية تكون مُريحة وسهلة مفيهاش تعقيدات.. 


مشكلتنا مع القرارات هي إنها بتيجي بمسؤوليات كتير وعواقب مُحتملة أكتر فبنحس ساعتها إننا مُحاصرين ومش عارفين نتصرف ولذلك.. 


الحل هنا: هو إنك تاخد وقتك ومساحتك في إنك تجمع كل المعلومات اللي تهمك علشان تاخد قرار سليم لأن وارد جدًا جدًا تغييرك لمسارك يكلفك أنت واللي معاك كتير، بس في نفس الوقت خليك عارف إنه عادي تغيّر مسارك.. وإن إدراكك للفكرة دي قادر يزيل عنك ضغوط إنك لازم تاخد القرار المثالي في كل مرة توصل فيها لمُفترق طُرق بالشكل ده.. ساعات كتير بيكون إنك تاخد القرار المُريح اللي عواقبه هيّنة هو ده أصح قرار، ببساطة مش هتكون جيت على نفسك بشكل أنت هتتعب منه فيما بعد، بل العكس. 



4. "الكل شيء أو اللا شيء!"

نمط تفكير مُتطرف جدًا واستخدامه شائع علشان بيسهل عملية إتخاذ القرار.. أكيد إنك تختار بين الأبيض والأسود هيكون أسهل كتير لما تقارن بين درجات مُختلفة من الرمادي، منطقي جدًا. 


لكن في نفس الوقت إهمال التفكير لمجموعة كاملة من الاحتمالات ده برضو كفيل يعرضَك لقلق مُفرط، مهو برضو بالمنطق كده لما تكون اختياراتك بين 0 أو 100 فأنت كده مش سايب لنفسك مساحة إنك تغلط، يعني لو مسجلتش 100 درجة كاملة فأنت كده خلاص فشلت.. وحط في اعتبارك الآثار المُرتبة على النمط لو كنت بتتعامل كده مع امتحان عندك ولا مُقابلة شُغل أو بتحط خطة تمارين رياضية ليك بشكل منتظم.. 


اللي الباحث عاوز يقوله هنا هو إن تفكير "الكل أو اللا شيء" مُمكن ومُهم بس في حالات مُعينة وضرب أمثلة رائعة جدًا منها:

جراحة لازم تعملها أو _ لا قدّر الله _ هتموت،، الدكتور قالّك على دوا لازم تاخده أو _ بعد الشر _ هتفضل تعبان،، طيارة لازم تنزل في مكان مُعين أو السفرية كلها تتلغي.. ببساطة كل الأخطاء والعواقب المُحتملة في الأمثلة دي وأشباهها ممكن تؤدي لنتائج كارثية.. فهنا لازم آه و لأ.. هنا فعلًا يا أبيض يا أسود.


لكن بالرغم من كده، حياتنا اليومية مش بتحتمل نفس مستوى المسؤولية اللي في الأمثلة المذكورة أعلاه.. مُمكن تغلط في الامتحان أو في مُقابلة الشُغل بس ما زال عندك نتيجة ناجحة، مُمكن تكسّل يوم أو يومين عن التمرين بتاعك بس ده مش معناه إنك مُستهتر ومش مُهتم بصحتك. 


الحل هنا: لو أنت مُتقدم في شيء ده كويس جدًا، بس سيب لنفسك مساحة تغلط، المساحة دي نِعمة كبيرة جدًا لولاها مكنتش اتعلمت، أعرف إن الأبيض والأسود جذابين بس مفيش مانع نشوف ألوان تانية غيرهم مش بس هما والرمادي.. 



5. "الأسوأ لسة مجاش." 

ده كمان من أنماط التفكير الأكثر شيوعًا عند مرضى القلق، وفيه المرضى بيشتركوا في تفكيرهم في أسوأ الاحتمالات.. اللي هو نتجاهل كل السيناريوهات المُمكنة اللي رُبما تكون أفضل ونعمل zoom in على أسوأ نتيجة مُحتملة حتى لو نسبة حدوثها قليلة. 

الموضوع ده بالظبط عامل زي لما يبقى قُدامك شجرة فيها فرع مُلتوي ومش واخد بالك من باقي الغابة وإن شكلها حلو.. 


والحقيقة إن كتير من مخاوفنا مش أكتر من كونها أفكار عايشة جوا دماغنا، واحنا بنتعامل معاها على إنها وَشيكة ومش هنعرف نتجنبها رغم إن أغلبها مُمكن جدًا ميكونش حقيقي أو ميستاهلش كل التفكير ده. 


الحل هنا: أقف لحظة وفكر في احتمالات إن خوفك يتحوّل لحقيقة، لجانب إنك تحاول تركز على الاحتياطات المعقولة واللي في استطاعتك ناخدها لحماية نفسك من أسوأ النتائج المُمكنة، بشكل كبير ده هيساعدك تعرف قُدراتك وإنك تفهم اللي موجود ومُتاح في مجال سيطرتك كويس. 



6. "أنا مش كافي!" 

بكل أسف احنا غلطتنا الكبيرة هي ربط قيمتنا الذاتية بمستوى نجاحنا.. بنجري إلى ما لا نهاية في ماراثون الإنجاز علشان نغذّي شعورنا بتقديرنا لنفسنا، وهنا طبعًا لازم نقلق بالذات لما بيحصل تذبذُب في قيمتنا الذاتية مع كل نجاح أو فشل ملموس.. 


بس الحقيقة إن تقديرك لنفسك ملوش دعوة بمستوى نجاحك للدرجة دي ولا بيعتمد عليه حتى.. تقديرك لذاتك مش بيتحدد حسب درجاتك أو مستواك التعليمي أو قدراتك البدنية أو شكلك أو بتكسب قد ايه.. تقدير الذات هو جزء مُتأصل أساسي من إنسانيتك.. أنت جدير وتستحق لأنك إنسان. 


ده طبعًا مش دعوة إنك متنجزش أو متحققش نجاحات لا..بس كمان علشان نُدرك ده يبقى لازم نوازن ونفهم إن.. 

الحل هنا:أكيد مش وحش إنك عاوز توصل لدرجة علمية مُعينة أو تترقى في شُغلك، أصلًا سعيك لكل ده هيأدي لنموّك الشخصي وطبعًا ده بيخليك قادر تساهم بصورة إيجابية في حياتك وحياة غيرك.. لكن متبنيش تقديرك الذاتي على مستوى نجاحك ولا تخجل من أخطائك لطالما كانت هي خير مُعلّم ليك.. 


خلاصة الموضوع هو إن الشعور بالقلق على المستوى الطبيعي مُهم لتجنُب الأخطار وتحفيز دوافع الإنجاز جوانا.. لكن ده علشان يتم ضروري تراجع أنماط تفكيرك لأنها وارد تكون مبنية على افتراضات غلط هي اللي بتغذّي القلق ده جواك.. القلق صحي جدًا طالما أنت مُعترف بأخطائك اللي أنت مسؤول عنها.. طالما أنت محدد اللي قلقان منه وبتحاول تتعامل معاه.. طالما قراراتك محسوبة وعارف عواقبها.. طالما عارف إنك إنسان ناقص مش إله كامل.. طالما عارف تشوف احتمالاتك وقادر تتجنب السيء منها.. طالما فاهم إن استحقاقك مرتبط بإنسانيتك وبس.. 

وقتها القلق مش هيكون نِقمة.. ولا هتكون مخاوفك سِجن.. وقتها أنت فعلًا عايش في سلام لطالما كان وسيظل هو أسمى غاياتك واللي بإيدك تحققها. 


Rewan Kassab
إقرأ المزيد من تدوينات Rewan Kassab

تدوينات ذات صلة