يقال دائما أن تجارب الأخرين وخبراتهم من الوسائل المعينة على التعلم والتشافي، ولذلك أضع بين يديك تجربتي حتى تعينك بكل حب

قبل أن أذكر لك رحلتي في الشفاء أريد أن ألفت إنتباهك إلى أننا متفردون في تجاربنا وظروفنا، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحتنا النفسية وطرق التشافي من المشكلات النفسية، فأنا أكتب لك تجربتي الخاصة لأنني حقا أرغب أن يكون هذا المقال تجربة معينة لك وملهمة بما تعنيه الكلمة لتساعدك في حال كنت تعاني من الإكتئاب أو أنك تعرف شخصا قريبا لك يعاني ذلك، وأريدك أيضا أن تعطي وقتك الكامل لقراءة هذه التجربة لأنني أتعمد أن أذكر تفاصيل يشترك فيها جميع من يعانون من الإكتئاب، وكذلك لأن الكثير ممن عرف قصتي مع الإكتئاب طلب مني كثيرا أن أشرح رحلة التعافي وها أنا أكتبها لكم بكل حب وأنا أنوي لكل مصاب الشفاء


الواقع ليس مهما بالنسبة للمكتئب معرفة متى بدأ يشعر بالإكتئاب، لكن الأهم من ذلك هو معرفة الأسباب التي جعلت هذا المرض يظهر للسطح ويعيق حياته، فمرض الإكتئاب يبدأ بلحظة حزن تلو الأخرى بشكل متكرر حتى يصدق الشخص هنا أن هذا هو الواقع فيدخل في دوامة العجز والتضارب في المشاعر، والصراع اليومي في محاولة تجاوزها ولذلك فإن التشافي من هذه المشكلة كان وفق تسلسل متتابع ومرتبط علما أن هذا التسلسل ليس دراسة علمية بل كما قلت هو تجربة شخصية ولكن أنا أأمل حقا أن تكون لك مفيدة، وفيما يلي سأسرد لك الخطوات أو المراحل التي بدأت فيها فعلا بالتعافي




ست خطوات حتى شفيت من الإكتئاب32065455630810180

لخطوة الأولى: القبول والتقبل

حسنا فمسألة القبول وتقبل أنني مصابة بالإكتئاب لم تكن عملية سهلة ومباشرة، فقد عشت لفترة تقارب ال3 أشهر من الإنكار والرفض وعدم التصديق، فعندما يكون هناك شخص تعود أن يكون نشيطا ومنجزا وقائدا وناجحا لا يقبل مطلقا فكرة الهزيمة والإنكسار أو العجز أو الضعف ناهيك عن أن تلك الفكرة المتداولة في المجتمع أن المريض النفسي هو مجنون وبالتالي هذه وصمة عار في نظر المجتمع، أو هكذا يظن مرضى الإكتئاب، أو أن الأسوأ من ذلك يتهمونك بالبعد عن الله سبحانه، ويبدأ الآخرون الذين يسمون أنفسهم متفهمين بإرشادك للرجوع لله وإتهامك بطريقة مباشرة بأنك مقصر في حق الله تعالى فيزيدوا من شعور اللوم الذي تعانيه أصلا

لكن فكرة القبول جاءت بعد ملاحظة وإدراك أن رفضي وإنكاري لم يكن في الواقع يخرجني مما أنا فيه، ولذلك قلت لنفسي، ما الذي سأخسره إذا تقبلت هذا المرض؟ وكيف سيساعدني القبول والتقبل على تجاوزه والشفاء منه؟ ودعني أخبرك سرا رائعا، أنني لم أتقبل المرض حتى عدلت طريقة طرح الأسئلة التي كنت أطرحها على نفسي، فقد وصلت بطريقة ما ولا أعرف كيف والتي أؤمن أنها لطف إلهي إلى أن أعيد صياغة الأسئلة التي كنت أطرحها لنفسي فبدأت أحول أسئلتي من أسئلة لجلد نفسي وتعذيبها إلى أسئلة تثير في نفسي الرغبة بالبحث والتقصي عن حلول فصار العقل يركز على الحلول وليس على أسباب المشكلة فتوقفت عن طرح سؤال لماذا الدنيا بهذا الظلم؟ لم أكن سوى شخصا طيبا لماذا يتهجم علي الناس بهذه الطريقة؟ لماذا ينظرون لي نظرة شفقة وعدم تفهم؟ وغير من الأسئلة التي كنت أظلم نفسي فيها حتى وصلت فيها إلى مرحلة أسأل نفسي فيها ما الدرس الذي يريدني الله حقا أن أصل إليه؟ فكان هذا السؤال هو المفصل الذي حركني نحو القبول فقد كان هدفي أن أعرف الدرس الأمر الذي جعلني لا أفكر بالمرض كمشكلة بل سببا للوصل للإجابة عن هذا السؤال، والنهوض من السرير



الخطوة الثانية: مراقبة نفسي لكي أساعدها

واحدة من الأشياء التي أشكر فيها الأخصائية النفسية عليها هي ذلك التمرين الذي أعطتني إياه والذي طلبت مني فيها مراقبة نفسي ومراقبة حالتي المزاجية، حيث أنني بدأت ألاحظ الأسباب التي كانت تضايقني، فمثلا كانت هناك رسائل سيئة تصلني من الأشخصاص الذين كانوا يطلبون مني أموالهم ، فبعضها كان شتما وبعضها كان تهديدا، والبعض وصل به الأمر أن يبلغ عامل في المحكمة بتهديدي وتخويفي، بل بدأ البعض بالتجسس على حسابي البنكي،معتقدين أنني مجرد نصابة أو محتالة، مع العلم أنه كان بإمكاني تقديم بلاغ عليهم والزج بهم في السجن لفعلهم هذا ولكن لم يكن ذلك ما يشغلني حقا، بل كنت أفكر فقط أن أكون بعيدة عن كل سبب يؤذيني ويزعجني ويقلل من إحترامي لذاتي، خاصة أن هؤلاء الناس لم يكونوا مجرد أشخاص عاديين بل كانوا أشخاص مقربين، لقد كانت رسالة منهم كفيلة بجعلي غير قادرة على المشي، لم تكن كلماتهم ولا إتهاماتهم وعدم تقديرهم لوضعي حتى الصحي سوى سموما قاتلة فتاكة، كانت توشك على أن تفقدني حياتي لولا لطف الله ورحمته، ولذلك عندها قررت أن أغلق هاتفي تماما، لقد قررت أن تكون هناك فترة أتجنب فيها كل شخص لا يحترمني فالوقت ليس مناسبا مطلقا وكذلك فإن مواجهتهم أو الرد عليهم لن يفيدني أصلا، مراقبتي لنفسي جعلتني أتخذ قرارات حازمة كتجنب ما يؤيني، هذا جعلني أتقبل نفسي التي كنت أكرهها بسبب كلامهم السام، الأمر الآخر هذا الإبتعاد جعلني أبحث أيضا عن الأشياء التي كانت تشعرني بالسعادة فبدأت بعدها بممارسة الرسم حيث كنت أبقى لفترة أمارس التأمل لأقوم بعدها بالرسم، الأمر الذي جعل نفسي تشعر بالخفة


ست خطوات حتى شفيت من الإكتئاب42316137721230640




الخطوة الثالثة: إحاطة نفسي بالداعمين

حسنا لقد كنت جدا محظوظة وموفقة بفضل الله فقد كنت محاطة بعائلة متفهمة متقبلة واعية ومثقفة الأمر الذي ساهم في أنهم كانوا يتعاملون مع نوباتي ومزاجي المتقلب دون أن يعلقوا علي أو يتهموني أو يشعروني بأني مختلفة عنهم، ولذلك صدقني من المهم جدا أن تطلب المساعدة ممن هم قريبون منك، والديك أخوتك أن تشرح لهم أنك تحتاج لهم وأنك تطلب منهم أن يكونوا صبورين متفهمين، أبلغهم أنك عندما تعتزل أو تغضب أو تصمت أو تنام كثيرا أو تهرب بأن ذلك ليس خيارا تختاره بل ثمة قوة تسيطر عليكك مصدرها أفكارك التي تدور في رأسك، أطلب منهم ذلك بوضوح، فتقبلهم لحالتك سيجعلك لا تشعر بالأسف على نفسك ولا تلوم نفسك حين تؤذيهم أو تتصرف تصرفات تزعجهم لأن ردود أفعالهم تكون هي التفهم



الخطوة الرابعة: إرفع من تقديرك وقيمة نفسك من خلال رفع إستحقاقك

حسنا إن أسوأ شيء في الإكتئاب هو إنخفاض الإستحقاق وتقدير الإنسان لنفسه من خلال محاصرة الأفكار السلبية وسيطرتها عليه وكذلك مشاعر اللوم والحزن والمقاومة التي تمثل مثلثا قاتلا، ولذك كان علي أن أعيد السيطرة على الطريقة التي أنظر بها لنفسي، لكن جميعنا نعرف أنه لا يكفي أن نقول لأنفسنا ببساطة نحن مرضى فلا بأس عادي، طبعا لا بل لابد من دليل عملي حقا نلمسه حتى نشعر بشعور للإستحقاق، ولذلك كنت أسأل نفسي ماذا يمكن أن يجعلني أشعر بأنني بخير، فوجدت أن مساعدة الناس بالكلمة الطيبة هو مايشعرني بالسعادة، لقد أكتشفت طريقي لذلك بعد أن عرفت أن الطريق الأسمى لإكتشاف الإسباب المعينة لرفع الإستحقاق هو أن أزيد جهدي كي أكون من الله أقرب، لقد كنت أكثر من الحديث لله فقد كنت أكثر من الإستغفار وكذلك أطيل الصلوات، الأمر الذي جعلني حقيقة أشعر بالهدوء والسكينة وكذلك قراءة القرآن وتدبره كل ذلك سببا لأن يسخر الله لي الناس التي كانت تحتاج لنصحي وفي كل مرة كان الله يلهمني الطريقة التي أساعدهم بها وهو الأمر الذي كان يعزز ثقتي في نفسي فأن يحتاجك الناس هذا يعني أنهم يشعرون بالثقة بك ويستندون عليك والإنسان لا يستند إلا على من يعتقدون أنه لن يسقطهم وهذه كانت كفيلة أن تجدد رؤيتي للحياة ويرتفع فيها تقديري لنفسي خاصة عندما كانت تأتي إحداهن لتخبرني أنها أستطاعت أن تحل مشكلتها وأن الله سخرني لأجلها

ست خطوات حتى شفيت من الإكتئاب22955000800286096



الخطوة الخامسة: التعافي من الأدوية

عندما بدأت أشعر أنني أفضل حالا بعد تقريبا سنتين ونصف من المعاناة مع الأدوية والصراعات، أستشرت الأطباء المحيطين بي بتركها وفعلا أستطعت تركها بفضل الله خلال أسبوعين فقط


الخطوة السادسة: أداء شكر الله لدوام العافية

وهي الخطوة التي أحاول أن أعيشها في الفترة الحالية، أنا أشعر بالفضل والإمتنان لله فوحده سبحانه كان معي في رحلة المعاناة ولأنه كان اللطيف الرحيم بي دلني على كل الطرق وأجابني على أسئلتي، لذلك قررت أن أخبر الآخرين وأساعدهم بما أستطيع ليتعافوا، وأن أبذل الجهد لنشر الوعي حول هذا المرض وأساعد الناس تأدية لشكر الله على فضله وما كتابتي لهذا المقال إلا محاولة مني عسى أن أكون من الشاكرين لفضل الله، وأن لا أخجل أبدا من الإعتراف بأنني أصبت بالإكتئاب فهو كأي مرض، وكأي إبتلاء علينا مواجهته بالصبر والرضا والشكر حتى نخرج منه ونكون من الذين فلحوا

وففي الأخير أنا حقا أرجو لكل مصاب أو محزون أو ممن يعاني أن يشفى وأن يجد الناس الذين يتفهمون وضعه وهنا أضع لك رابط رحلة المعاناة لأشاركك أيها المقاتل تجربتي أيضا في هذا الرابط وأعلم أنك لست وحدك





ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

اتمنى ان تتحفينا بما يخص الامور النفسيه فا من شدة مصاعب الحياة ننساه طبيعتنا البشرية.

مقال اكثر من رائع يصف الرحلة بالتفصيل و بالطبع سيساعد الكثيرين فهم يحتاجون لذلك

مقالة رائعة . فيها منفعة كبيرة. شكرا لمشاركة تجربتك معنا

إقرأ المزيد من تدوينات أمل عبدالله الجامعية- باحثة مؤلفة ومدربة تربوية

تدوينات ذات صلة