إنّ مُحترفي الإقناعيّة هم من يستطيعون الإبحار بكفاءة حول المسائل المُلحّة، والقضايا المرجوة، هم من يحملون رئاسة الموقف.

لا جرم أن الإقناعيّة أخذت شأوًا رحيبًا في زمننا في مختلفِ الوسائل التسويقيّة –الترويجيّة-، والحواريّة، والمواضيع الجادّة، فحجاجيّة القول لم تنحصر في أقنوميّ الزمان والمكان، بل كان لها وقعًا عجًّا في مناحٍ وفترات مُختلفة.

تلك التي تثوي خلف قارئها وسامعها أثرًا مُهيبًا، هذا المُقوم الحجاجيّ الذي أطلق عليه أرسطو بالباقوس، ذلك الأثر الانفعاليّ المُستحدث في المخاطب، وقد وجدتُ أثر تحقق هذا المُقوم الحجاجيّ عند قرائتي لرواية الكاتب الإنجليزيّ( وليم شكسبير) يوليوس قيصر، التي استمد موضوعها من حياة يوليوس قيصر مع أصدقائه وأعوانه، وأبرز تلك الشخصيات التي سنتطرق لبعض خطاباتهم المُؤجّجة بأدوات الحجاج: مارك أنطوانيوس، وماركوس بروتوس.

فتأتي خطبتا بروتوس وأنطوانيوس، إثر اغتيال يوليوس ملك روما، على يد بروتوس صديقه المُتآمر عليه؛ نجاة لروما و تحقيقًا لمجد شعبها. كما قال في خِطابه أمام كلاكل من شعبِ روما: "أيها الرومانيون، إنّ كان بينكم صديق لقيصر يحبه ويتهالك وَجدًا عليه فليسمح أن أقول له: أيها الصديق الكريم، إن بروتس قاتل قيصر كان يحبه أكثر من حبك إياه....،واعلموا أنّي ما قتلت قيصر لأني كنت أبغضه بل؛ لأني كنت أحب روما أكثر منه.كان قيصر يحبني فأحببته، وكان شجاعًا فاحترمته، ولكنه كان طماعًا فقتلته.." .

وبذلاقة لسانه، وقوة بيانه، حاول إقناع المُتلقين بأن محبته لروما تفوق حبه لقيصر؛ وأنّ صنيع ما فعل كان واجبًا وطنيًّا، وشرفًا قوميًّا، يحفظ وطنه من شجعِ قيصر وطمعه. وهنا نجدُ بروتوس يُشيّد حجته وفق تراتبيّة تأخذ منحى حجاجيًّا، عبر السُلم الحجاجيّ القائم على التدّرج إما نزولًا وإما صعودًا، الباعث على إقناع المتلقي، فيأتي بروتوس بحجته هنا تصاعديًا من الأقل إقناعيّة وهي حبه لقيصر،إلى الأكثر إقناعيّة حبه لروما، ثمّ بالأقوى وهو طمعِ قيصر، بنتيجة: قتلِ ملك روما قيصر.

فتجده تأسى بحجة سلطة القول التي انتهجها السوفسطائيّين، التي تكتسب نفوذها من قوة الخطيب الذرب. حتى يستعينُ بروافد الإقناع ( صيغة الاستفهام)، تقتضي التقرير والإثبات، وتضفي مصداقيّة القول، فيقول مُتعجبلًا: "لا أصدق أن بينكم من يحزن لموت قيصر، فأنتم رومانيون، والرومانيّ لا يحب أن يعيش ذليلًا....من منكم يكره أن يكون رومانيَّا؟ من منكم يكره أن يكون حُرًّا؟".

وبذلك أحرز قبولًا مُدويًّا في نفوس الشعب الرومانيّ، دليل قولهم في أصوات متفرقة:" انصبوا له تمثالًا"، "إنه أفضل من قيصر"، "امنحوه عرش قيصر"، "ليحيا بروتس"! حتى نال ما حصده من تبئير اهتمام .

وما وصل بروتوس من حديثه حتى دخل أنطونيوس صديق قيصر، وصعد على منبر الخطابة بعد استهلالٍ حصيف، بتأدبٍ مدروس، يقول مخاطبًا: "أيها القوم، يقول الشريف بروتوس: إنّ قيصر كان رجلًا طماعًا، وأنا لا أستطيع أن أخالفه فيما يقول؛ لأنه رجل شريف".

وهو بذلك نفّذ ما اشترط عليه (ابن وهب) من أخلاقيات الحوار، في أن يكون منصفًا غير مكابر و ألا يعجب برأيه. حتى يُكملُ خطابه مُستعينًا بحجج ترفع صديقه قيصر من الاتهامات المتصارعة في خطاب بروتوس، يقول أنطوانيوس: "كل ما أستطيع أن أقوله: إنّ الفدية التي افتدى بها أعداؤنا أسراهم الذين جاء بهم قيصر إلى روما قد ملأت الخزانة العامة حتى فاضت بها، وكل ما أستطيع أن أقوله، إنّي رأيت قيصر بعيني يبكي لبكاء الفقراء، ويحزن لحزنهم، ويبيت الليالي ساهرًا لا يغتمض له جفن حدبًا بهم وعطفًا عليهم. كل ما أستطيع أن أقوله: إني عرضت بنفسي تاج الملك على قيصر ثلاث مرات فأباه زهدًا فيه وازدراء له".كنت أستطيع أن أقول إنّ الطمع لا يسكن قلبًا مثل هذا القلب، لولا أنّ بروتوس يقول: إن قيصر رجل طماع. وأنا لا أستطيع مخالفته؛لأنه رجل شريف".

وفي نهاية حديثه قام بقراءة وصية قيصر لشعبه، بعد أن ألّح الشعب على قرائتها عليهم، وفيها: "لتعلموا أنّه يعطي كل فرد من أفراد الرومان خمسة وسبعين فرنكًا ويوصي بجميع غاباته ومنتزهاته لأمته..".

والبيّن أنّ أنطونيوس تأسى بحجة الإيتوس، وهو قيام الخطيب بإدلاء حججه بالأخلاق، وتحقيق الخير، فهو بذلك لا يهمه كسب القضية أو إحراج الخصم، وإنما فعله هو فعل قوليّ أخلاقيّ ينحو بذلك منحى أفلاطون. وبعطفه بعدًا حجاجيًّا تقوم على أبعاد إكسيولوجيّة، إلا وأبانت أثرها على المُخاطب وإقناعه، بوضع موضع ثقة لسامعه. واستعان أيضًا بوسائل حجاجيّة أخرى، منها: التقسيم، والروابط الحجاجيّة الاقتضائيّة منها، والتقويميّة..

وبعد انتهائه من الخطبة، أرسل أنطوانيوس من جفنيه قطرات من الدموع..، تنادي باستراتيجيّة إقناعيّة أخرى وهي: استذراف الدّمع. حتى تجد انقلابًا هائجًا، وهُتافًا شديدًا من شعب روما،يصرخون بـ :"لا بدّ من عقاب القاتل"،"أحرقوا القتلة"، "إن يومًا يقتل فيه قيصر ليوم شره مستطير"... وهكذا استطاع أنطوانيوس في خطابٍ واحد أن ينال الشعب الرومانيّ، بكدحِ خطابه الإقناعيّ، فغاية الحجاج كما قرّرها الجاحظ هو "استمالة القلوب وثني الأعناق".

والجليّ أن شكسبير في سرده لأحداث الرواية، تبيّن وجود أركان الخطاب وفق النظريّة الأرسطيّة: اللوجوس، والإيتوس، والباتوس، في تفاعل ديناميّ.

ولا محيص من القول إن إتقان ترمنولوجيا الكلمات، وأدوات الحجاج، تجعل من صاحبها عُمدة الموقف .


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات Eman Mohammad Khalil Qasmiah

تدوينات ذات صلة