تعتقدين لمجرد أنك متشابهة مع محيطك فأنت بأمان.. أنت في ورطة يا صديقتي

مرحبا يا صديقتي ..

أتذكريني؟


أنا تلك الصغيرة التي كنتِ تسخرين من أحلامها في القدم 

أنا تلك التي حاولتِ أن تثوري عليها بمجرد أنها تحمل بداخلها شغفا

أنا تلك الطفلة التي كان الجميع يقول لها " أنتِ لستِ جيدة بما فيه الكفاية"

أنا من كانت ينفض من حولها الأصدقاء 

كنتُ أمشي وحيدة في باحات المدرسة محاولة البحث عن انتماء لأحد ما .. 

لقد تنقلت بين المدارس كثيرا .. محاولة أن أجد مكانا يحتويني ..

كنت كقطعة البازل الضائعة .. التي لا مكان لها داخل اللوحة .. 

قطعة بازل غير مدركة لأي لوحة تنتمي ..

ألم تذكريني بعد ؟ 

أنا صديقتك التي كانت تبكي مرارا خفية بسبب وحدتها..

أنا التي لم يؤمن بها أحد .. لم يتبنى أحد مهاراتي أو مواهبي 

لقد عشت طويلا كظل مهمش.. عدد لا فائدة منه .. 

كنت تائهة عن هويتي .. غريبة بين مجتمعي ..

فلا أعرف كيف أكون مثلهم ولا أعرف كيف أكون نفسي ..

حتى وجدت دربي ..فصادقت الكتب في البداية 

وجدتها عالما براقا ..

يخسر عمره من لا يفكر بمصداقتها 

أحببت الشعر والنثر وأبطال الروايات .. بدأت أبحث عن أجدادي بين السطور..

سافرت في مغامرات بين الحضارات .. وبدأت أفكر من أنا .. لماذا أنا هنا ..

لم تقنعني يوما الإجابات البديهية التي تلقنتها في المدرسة ..

وحينها تأكدت بأنني أكثر من مجرد فتاة صغيرة بلا هوية وبلا هدف ..

تتخرج فتعمل في وظيفة بائسة فتتزوج من بائس مثلها لينجبا بؤساء ..

فتفنى وتنتهي رحلتها نادمة على حياتها

متسائلة ماذا لو سلكت طريقا اخر .. 

حينها عرفت بأن هناك أكثر من عادات قبيلتي وحدود قريتي في العالم .. 

وأنتِ يا صديقتي بقيتِ مدفونة في الحياة .. تعتقدين أن موتك في الحياة حياة

تعتقدين لمجرد أنك متشابهة مع محيطك فأنت بأمان 

أنتِ في ورطة يا صديقتي .. لماذا لا تحاولين الحفر عميقا داخلك ..

تعاركي مع نفسك .. أخرجي عن قوانين قبيلتك 

شككي في عقائدهم .. اكسري القوانين 

لماذا تتجنبين النظر لنفسك في المرآة .. وتحاولين إسكات صوت استسلامك ! 

أو لعله لم يعد لديكِ صوت.. 

لم تتذكريني بعد ؟ أيعقل أن ملامحي تغيرت لهذا الحد ؟ 

ممكن ..

لقد تبدل جلدي .. فارتديت ثوب الإنسانية .. وعلمت بأني أنتمي للكون، للعالم، لكافة البشر 

أنا أنتمي لذاك النجم الذي في السماء .. أنتمي للمستقبل للحاضر للماضي 

لحياتي هذه وألف حياة أخرى سأبتعث بها ..

لقد تعلمت أن الفرص تتواجد في باحات العالم الواسعة .. 

وأني سأتواجد هنا كتجربة بشرية لمرة واحدة أو أكثر .. لكن لطالما منحني الرب عقلا واعيا ..

لما علي أن أسجن نفسي في مكان واحد .. وأرض واحدة 

لما علي أن أنتمي لقبيلة دون الأخرى ..

بالتأكيد لن تتعرفي علي .. لقد تخلصت من خجلي ووحدتي ..

ملامحي لم تعد مشوهة .. لقد أصبحت أكثر حدة .. أقوى .. 

أنظر للعالم بعين الجنون والمنطق في آن .. 

لا بد أن روحي صُقلت ..

لقد ماتت تلك الفتاة التي كانت تبكي كل ليلة .. وبُعثت من جديد كعنقاء 

خرجت من بين النيران ..  أقوى .. أجمل ! 

أنا يا صديقتي تلك الصغيرة التي كنتِ تحاولين مرارا أن تسكبي المياه على شعلة أحلامي ..

وما كنت تزيدينها إلا عنادا ووهجا ! 

لقد مر عشر سنوات .. أنظري لي .. أحلامي التي كنتِ تقهقهين سخرية منها 

أصبحت واقعا .. وما زلت في بداية طريقي 

ما زال هناك الكثير من العثرات، التحديات، السقوط والنجاح ..

لكن على الأقل .. لن أموت نادمة .. وأفكر "ماذا لو"

أؤمن الآن بقوة الإنسان

وأنصحكِ أن تتوقفي عن السير خلف القطيع 

لما عليك أن تكوني من العبيد في الوقت الذي بإمكانك فيه أن تكوني إلهة نفسك 

أنتِ جزء من الكل و الكل بداخلك .. 

أنتِ انعكاس الكون .. فما الضعف والجبروت .. الخوف والشجاعة .. الحب والكره .. العزيمة والاستسلام إلا انعكاس لتناقضات هذا الكون 

فنحن الشيء والضدّ ..


تحرري .. لم يفت الآوان بعد !




التعليقات

ليالي محمد خرمي
ليالي محمد خرمي ٩ حزيران ٢٠٢١

جميل جدَّا، فعلًا مًلهمة وبجدارة ألهمتني