الطريق في جحر الأرنب لا عودة منه، طريق الوعي لا يمكنك التوقف فيه، ولا يمكنك أن تعود لنسختك السابقة بعدها أبدا،

التركيز العميق في الجوانب الروحانية وفي مواضيع الفلسفة الدينية، قادر فعلا على أن يجعلك تكسر "ماتركس" الأبعاد الثلاثة، وستبدأ تشعر بأنك تعيش في عالم مكون من أربعة أو خمسة أبعاد حتى.

لكن كل شيء له ثمنه في هذا العالم.

تحررك من ثلاثية الأبعاد يعني انفصال تام عن الواقع والبدء برؤية الكثير من الأمور بطريقة مختلفة وجديدة

كأنك ترى من خلال عين ثالثة قادرة على رؤية بزاوية 360 درجة.

لكن السؤال الأهم، هل أنت مستعد لهذه الرحلة؟

هل أنت مستعد لفتح عينك الثالثة؟ وماذا سيكلفك ذلك؟

حقيقة سيكلفك الكثير من العلاقات، الكثير من اللهو والمتع التي كانت قادرة على ملء روحك بسعادة.

ستشعر بخواء روحي لفترة، ضياع، تيه، ما الحقيقة وما الصواب.. وستتوه في سراديب عقلك اللاوعي كثيرا.

ستقابل ملائكتك وستقابل شياطينك أيضا.

سيكفلك بالتأكيد القدرة على الاندماج بالمجتمع بسهولة وسلاسة لبضع من الوقت، وأعني ببضع من الوقت .. سنوات مثلا، ستجردك من قدرتك على فتح حوار سلس مع المحيط.

نقاشات العامة في العادة تتعلق بالأمور اليومية، آخر "ترند" وصيحات الموضة، الألوان المفضلة لهم ، الطبخ.. الإشاعات والنميمة، ولعل الأحاديث يكون عنوانها حياة الفنانيين أو حياة زملائهم أو آخر الأفلام الرديئة، قصص حب فاشلة.

ولا عيب في ذلك، فالبشر يفضلون الأمور السطحية، والكلام الذي لا معنى له ولا وقع له حقيقة على نفوسهم، لأن يفضل الناس بالعادة التركيز على المادة والأنا المفخمة.

قد يكون هناك الكثير من النكات والضحكات معهم، لكن ستنساها مع مرور الوقت بسرعة، وستتلاشى كلماتهم من عقلك بسرعة، لأن للأسف لا قيمة حقيقية لها .. أبدا !

لكن الخوض في الفلسفات الدينية والروحانية، ومحاولة البحث عميقا في كافة الاحتمالات بسبب وجودك، وفهم آلامك وأحزانك .. وسر سعادتك .. ورسالتك في نهاية المطاف في هذا الكون، أو محاولة تكوين وتشكيل رسالة خاصة بك، محاولة التواصل مع المصدر الأساسي دائما، وفهم الكون وآلية عمله، هذا ليس حقيقة من اهتمامات الجميع، ومع كل إيجابيات تطور وعيك وثقافتك إلا أنه من الممكن أن يدخلك في دوامة أخرى.. وينقلك حرفيا لعالم جديد لا وجود له في الأبعاد الثلاثية.

ستحلق إلى عالم لا يسكنه أحد إلا أنت .. تماما مثل السقوط في جحر الأرنب في قصة أليس في بلاد العجائب، لن تتمكن من الخروج منه أبدا .. أو لعلك في عقلك الباطن لا تريد الخروج أصلا، الطريق في جحر الأرنب لا عودة منه، طريق الوعي لا يمكنك التوقف فيه، ولا يمكنك أن تعود لنسختك السابقة بعدها أبدا،

ستسحر بالأمور العجيبة التي ستتعرف عليها، لعلك ستصرخ بأعلى صوت لديك من هول الوجع الذي ستلمسه في روحك، وستصاب بالإحباط حين تفهم سبب صراعك المستمر، وقد تُخذل من نفسك مرارا بسبب عدم قدرتك على إصلاح أي شيء، حتى عبر الروح والفلسفات والحب والصلاة..ستتوه الروح بين الوهم والحقيقة كثيرا، خاصة في أمور الروحانيات .. هناك الكثير من اللغط والباب مفتوح للكثير من الدجل والكذب

ستقع في شباك عالم التنجيم وكروت التاروت .. ولعلك ستحاول فهم العالم السفلي أحيانا ..

فلا فرق بين الشيطان والملاك سوى شعرة ..

أنسيت أن الشيطان كان ملك الملائكة يوما ما؟

العلم ذاته موجه في سبل متعددة ولنوايا متعددة وبين الإيمان والتضليل .. الوهم والحقيقة.. يضيع عقلك ويشتت ذهنك كثيرا ولكن عليك في النهاية أن تستيقظ من سباتك..

الثمن الأكبر في رحلة الوعي هو الانفصال عن الواقع.. ليس بجنون، أنت فقط تحاول أن تكتشف عالم جديد قد أغلق، أن تحاول اكتشاف ذاتك بطريقة أفضل وأعمق، أن تصل للإيمان المطلق والسلام الرصين.

لكن أحيانا، ستفكر بالعودة إلى عالم أبسط، حيث المعاملات البسيطة والأفكار السطحية..

حيث المادة.. حيث كل شيء ملموس وحقيقي وواضح ولا داعي لتأويل أو تخمين أو تضليل ..

لهذا غالبية الناس لا تحب الفلسفة ولا التفكر ولا التفكير .. ولهذا اتهم الأنبياء يوما بالجنون ..

لا أحد يريد أن يصاب بالجنون حقا.. لا أحد يريد أن يدخل دوامة لا خروج منها يوما ..

الجميع يريد أرضا صلبة قوية .. وأمور قادرين على لمسها وحسها .. والتأكد من وجودها

فذلك أسهل للعقل .. منطقة آمنة .. أيسر . أسهل .. وأريح بطريقة أو أخرى ..

الغوص في آلام الحياة اليومية أسهل وأيسر من أي أبواب مجهولة أو معرفة مشتتة وضائعة ..

ولذلك الإيمان بما تم تعليمه للإنسان .. مريح للعقل بشكل أو بآخر .. ولا يقود للجنون حتى

ولا يعرضك لخسارة شيء .. لا أصدقاء ولا علاقات ولا نفسيتك ولا رزانة عقلك ولا رتابة يومك الآمنة ..

جحر الأرنب مخيف لكن الرحلة داخله ممتعة، ستكلفك كثيرا، وستؤلمك كثيرا ولكن ستتعلم وستعطيك بالمقابل الكثير من الوفرة والحب والسلام ، لكن لا بأس في أن تأخذ أنفاسك وتريح عقلك بين الفينة والأخرى .. لست مجبر على فهم كل شيء دفعة واحدة ولا لإيجاد إجابات واضحة لكل شيء مرة واحدة

لا بأس في العيش في عالم ثلاثي الأبعاد وإعطاء العقل القليل من الوقت للراحة ولمحاولة فهم الكثير مما يحدث حولك، لا بأس بإعطاء الروح القليل من المساحة لتتنفس.


ربا عياش

ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات ربا عياش

تدوينات ذات صلة