كيف يؤدي الاهتمام بالتفاصيل للإتقان وتسريع الإنجاز ؟

يعد الاهتمام بالتفاصيل سر من أسرار تحقيق الإنجازات بإتقان..فالاهتمام بالتفاصيل من أسرار النجاح سواءً كان ذلك في رؤية استراتيجية أو تنظيمات إدارية أو رسوم كرتونية  أو رواية بوليسية أو موسيقى تصويرية أو وجبة صباحية أو خدمة حيوية أومنتج تداعبه أصابع أيدينا أو مسكن يؤوينا أو تلسكوب فضائي نستكشف به العوالم الكونية..


في عالم الكتابة الروائية مثلاً يتجلى الاهتام بالتفاصيل من عدمه بشكل واضح، فالكاتب الحاذق يهتم بتفاصيل المكان والزمان والأجواء والأزياء والألوان ويعتني بها بنفس قدر الاعتناء بتطوير الشخصيات و إظهار المشاعر وتسلسل الأحداث فيرسم بكلماته لوحة باذخة التفاصيل..فهو يعي بأن القارئ قد يتنبه لبعض التفاصيل التي تجعله يتذوق العمل ويندمج معه بشكل مختلف..وكذا في عالم المنتجات، فقد ترتبط العلامة التجارية لبعض المنتجات بالإتقان والاهتمام الفائق بالتفاصيل الظاهرة والخفية التي قد لايراها المستخدم ولكنه يشعر بها في تفاعله مع المنتج، ولذلك عندما تُطرح تلك المنتجات في الأسواق فإنها في الغالب لاتفوق منافسيها في المواصفات والخدمات الجديدة ولكنها تتفوق عليهم في إتقان تصميم وتنفيذ تلك المواصفات و سهولة استخدامها. إن كاتب الرواية أو مطور المنتج يتبع كل منهما منهجية تهتم بالتفاصيل ويسعيان لاكتمال مخرجاتهما في أوقات محددة وإلا لما صدرت الرواية أو ظهر المنتج لتتلقفهما أيدي القراء والمستخدمين بلهفة منقطعة النظير.

إغفال التفاصيل قد يتسبب في غموض المتطلبات و ضعف الفهم واختلاف التوقعات واضطراب التواصل وارتكاب الأخطاء على كل المستويات والتي قد تؤدي إلى تراجع الإنجاز والعودة إلى نقطة البداية..



ولكن ألا يبدو أن الاهتمام بالتفاصيل قد يبطئ الإنجاز..وعليه فإنه من الممكن التغافل عنها والتركيز على السرعة فكما يقال "من سبق لبق"؟ 

إن التفاصيل في حقيقة الأمر ليست متساوية، فهي تتوافق في طبيعتها مع المستويات والمراحل التي يصعب أن تكتمل بنجاح دونها، فهناك تفاصيل على المستوى الاستراتيجي وهناك تفاصيل على المستوى التكتيكي والتشغيلي يجب الانتباه لها في وقتها..وعلى سبيل المثال فإن تفاصيل المراحل التحضيرية في المشاريع يجب التركيز عليها لأنها تلقي بظلالها على جميع المراحل الأخرى التي تليها إيجابيًا أو سلبيًا..وإغفالها قد يتسبب في  غموض المتطلبات و ضعف الفهم واختلاف التوقعات واضطراب التواصل وارتكاب الأخطاء الفادحة أحيانًا على كل المستويات والتي قد تؤدي إلى تراجع الإنجاز والعودة إلى نقطة البداية، فيصبح التقدم السريع والإنجاز المتسارع -الذي قد يحدث أحيانًا-شكليًا ومتقطعاً وغير مستدام.إغفال التفاصيل قد يتسبب في غموض المتطلبات و ضعف الفهم واختلاف التوقعات واضطراب التواصل وارتكاب الأخطاء التي قد تؤدي إلى تراجع الإنجاز والعودة إلى نقطة البداية..


تتكرر هذه الظاهرة كثيرًا في عالم إدارة المشاريع حيث يمر المشروع بتسارع كبير تعقبه أحيانًا فترات ثبات طويلة لاتكون أسبابها في الغالب إضافة المواصفات أو تجربة الابتكارات، بل بسبب العمل على إصلاح الأخطاء الناتجة عن الاستعجال الذي يغفل الاهتمام بالتفاصيل. وإن حصل وانتهى المشروع سريعًا لأي سبب من الأسباب فقد يخرج المنتج ذي المواصفات العالية المتعددة دون مستوى الجودة المطلوب وسرعان ماتظهر عيوبه فتضعف ثقة مستخدميه  وتتراجع سمعة مطوريه. 

صحيح أن سرعة وتيرة الإنجاز  والتجارب المتعددة يصحبها ارتكاب للأخطاء، والتعلم منها وتصحيح المسار نتيجة لها هو خير معلم وهذا متفهم ومقبول بل ومحمود طالما كانت الأخطاء نتيجة تطوير مواصفات جديدة أو تجربة ابتكارات تحسينية أو ثورية  وليس نتيجة العجلة والعشوائية التي تغفل الاهتمام بالتفاصيل. بل إن سرعة وتيرة التطوير والتجارب المستمرة تمثل أحد أهم الأساليب الحديثة في الإدارة الرشيقة للمشاريع (Agile Project Management). لكن لتلك المنهجية تفاصيل عديدة ودقيقة  يجب اتباعها لتتحقق الفائدة المرجوة منها. 


تتضمن المنهجية جدولة مايعرف بجولات الإنجاز السريعة التي تستمر حوالي الأسبوعين إلى أربعة أسابيع. تبدأ تلك الجولات بجولة التعارف والتحضير وبناء الفريق - والتي قد يبدو وأنها تبطئ وتيرة الإنجاز - والاتفاق على مستهدفات الجولات المتمثلة في مخرجات ومواصفات محددة  -لكنها مرنة - وقائمة بالمهام التي عليهم القيام بها مرتبة حسب أهميتها وتسلسلها للمنتج المعني قبل الانطلاق. يعمل الفريق خلال الجولات المتتالية بتركيز شديد ويلتقي أفراده يوميًا في اجتماعات قصيرة لمراجعة تفصيلية لماتم وماسيتم وأسباب عدم الإتمام لحلها والمضي قدمًا لإنجاز مابعدها حتى إذا ما انتهت الجولة أعقبها فترة مراجعة قصيرة يتم تقييم المخرجات خلالها وتعديل المسار  بل وإضافة بعض المواصفات أو إلغاء بعضها إن استدعى الأمر والانطلاق من جديد في جولات أخرى للعمل تعقبها وقفات المراجعة حتى ينتهي المشروع ويكتمل المنتج بأقل المفاجاءات المحبطة أو التراجعات المثبطة. 

إن الاهتمام بالتفاصيل قد يبدو وكأنه يعيق الحراك ويبطء الإنجاز مرحليًا لكنه يكسبه تسارعًا مضطردًا في مراحله اللاحقة ليصل المنتج إلى بر الأمان بسرعة وإتقان.




التعليقات

Malak Moustafa ٥ تشرين أول ٢٠٢٠

مقال رائع جدا

عذار ٢ تشرين أول ٢٠٢٠

مقال رائع

كريم نوفل
كريم نوفل ٢١ أيلول ٢٠٢٠

مقال عظيم و يناقش فكرة مهمة، و اظن ان اهم ما يجب انجازه في الدورة التحضيرية الاولى هو وضع اهداف واضحة للعمل و تحديد ما هي التفاصيل المهمة التي من الواجب التركيز عليها و ما هي التفاصيل الاقل اهمية و من الممكن اهمالها مؤقتا.
و بالطبع يعتمد هذا على طبيعة المشروع و حجمه.
شركا لك

Joud Al Khalili
Joud Al Khalili ٢١ أيلول ٢٠٢٠

مقال أكثر من رائع👌🏽👏🏽

Layan Sawaqed
Layan Sawaqed ٢١ أيلول ٢٠٢٠

كثيرون سيجدون نفسهم في هذا المقال 👏👏👏

hala jazzar
hala jazzar ٢١ أيلول ٢٠٢٠

👌🏼...