هُنا حَيثُ الحرفُ جَملَةٌ تامّة، مُصمَتٌ وفي أعماقِه فُسحَة امتِداد !


دَومًا صَباحُ المَدرسَة الأول يَعتريهِ الهُدوء والجَمال، تُطِلُّ الشَمسُ عَلى نَشاطِ الأطفال بانكِسارِ وهجِها رَحمَةً بِهِم، ويَتَكَفّل الغَيمُ بإيصالِ فُقرائِهم حَتّى يَتَظَلّلوا بِسَقف المَدرسَة.. تَتَشَكّلُ الطالباتُ في صُفوف مُستَقيمَة، في فُسيفِسائيّة اللونين الأزرق والأخضَر مَع بَعض " الشالات " المَمنوعَة التي تَتجاوز المُديرَة عَنها في أول الأيّام..


في مَدارِسنا _نَحنُ الأشقياء_ الصُفوف المُستَقيمَة نُبَعثِرها بِكَثرةِ الحَركَة، نرسُم بساحاتها لَوحَة فُسيفِسائيّة عَجِزَ البيزنطيون عَن رسمِها، مُلَوّنَةً بكُل الألوان ومُشتقاتها، لا تَلتَقطها الصُورة لعدَمِ ثَباتِها، وكأنّ ساحاتنا تَميلُ عَن الأرض بزاويَة تَحرمنا مِنَ شقاء الاستِقرار، عَدا عَن التوقيع المُميّز الواضِح تمامًا أسفَل اللوحَة عندَ باب المَدرسَة والذي يُشَكّله مَجموعَةٌ مِنَ الطُلابِ المُتأخرين عَن جَرس البَدء، أمعِنوا النَظَر في جمالِ هذه الزاويَة فأنا أشكّلُ إنحِناءَ الطاءِ فيها باحترافيّة مَع حقيبتي الجَميلَة .’!


إنّ في البِدايات لَذّه تَكونُ في أوجِ نورِها حينَ البَدء بِصنعَة الخالِق، ثُمّ تَموتُ فيها الطاقَةُ الكامِنَة بَعدَ أن تَطلُبَ مِنكَ أن أشعِل هِمّتَك، وقُد نَفسَكَ نَحوَ أحلامِك.. وكَذا أجِدُ ابتِداء مَرحَلة العِلم الأولى، الفَرحَة في الاختيار الصَعب بامتِلاك الدَفتَر الأول حَيثُ الصورَة التي سَتَعكِسُ شَخصَك، والطابِع الذي لا بُد أن يَكون الأكثَر تَمَيُّزًا، ثَمّ إنّك لَن تَنسى أن تركَبَ قِطارَ الذاكِرة إيَابًا نَحوَ وجهَة " خَطّك جميل " لتَتودّد له ليكتُب اسمَك بجميل الخَط..


في المَقعَدِ الأول كُنتُ، وكانَ مَعه ذكرياتُ مسكَةِ القَلم الأولى، أحاوِلَ فيها أن أكتُبَ ألِفًا مُستَقيمَة، انزعجتُ مِن أسلوبِ المُدرّس الذي اتّهمتُه بأنّه يَنسى هذا الحَرفَ كَثيرًا: فَتارَةً يقولُ ألِف، وأخرى ينطِقها بالمَد " ااا "، ويزيدُ طينَ جُنوني بِلّةً إذ يضرِبُ عَليها مِثالاً مَهموزًا فَيقولُ " أرنَب "؛ يالَ هذا الجُنون.. يَرتابُني مَعها خَوفُ السُؤال مَظَنّة الجَهل، ويَتلوّن وجهي حياءً تَرتَجِفُ مِنهُ يَداي عَن ضَبطِ استِقامَته، وهُنا كانَت لَحظَة إغواء الحَرفُ لعينيّ بالرّقص.’!


في المَرحَلَة الابتِدائيّة كانَ الحَرفُ هاجِسي واهتِمامي، أجتَهِدُ في رَسمِه بِغيرِ الصورة المَعهودَة لأجِدَ في ثناياه مَعنَى آخَر، حَتى إذا كَبرتُ وصَلتُ إلى قَناعَةٍ مَفادُها: " الحُرفُ جُملَةٌ تامّة " فَكيفَ لهذه الحُروف البَسيطَة أن تُشكّلَ كُل هذا الكَلام، وكيفَ لِحُروفِ السوقِ أن يُعادَ تَشكيلَها لتَصيرَ مُعجِزَةَ الله في أرضِه إلى قيامِ الساعَة، حيثُ أن كَلِمَةَ " ألَم " إذ تَحوي عُمق الوَجع الكامِن فيها إلا أنّها لا تَتوافق مع بدايَة سورَة البَقَرَة " الم " ؛ فـ ألِفٌ حَرف، ولامٌ حَرف، وميمٌ حَرف. .’!


تابَعت الأيّامُ هَضمَها مِن قَدري المَكتوب، وما زالَ الزَمنُ يَسيرُ بي دون تَوَقُّف، وأنا لَم أبرَح فَهمَ الحَرفِ بَعد، إذ كَيفَ لِحَرفِ العلّة أن يَحمِلَ كُلّ هذا الفَرح، وكيفَ لِ " واو" العَطف أن تَحتَضِنَ المَعطوفَ كأمٍ تَخافُ فَقد ابنِها، وكيفَ للألِف أن تَنتَصِبَ أحيانا، وتَنكَسِر أحياناً أخرى بَل وتَزيدَ في ثقَتها بِنفسِها، فَتَتَصَدّقَ عَلى القارئ فَتَحضُر آخِرَ الكَلِمَة و تمنَحَ كُلّ اللفظ للواو ليُفهَم أنّها تَعني الجَماعة .’!.


كَيفَ للحاء أن تَثِقَ بالباء فَيُشَكّلِا " حُبّاً " يَصير عُنوانًا لِكُلّ جميل، في نُطقِهما معًا مَسيرَة حَياة، يبدأ الحَاء تَكوينَه مِن أقصى الحَلق وكَأنّه مَصنوعٌ بِنارِ القَلب المُشتَعلَة، ويَسير مُلتَهِبًا تُطالِعه مَخارِج الحُروف، ليَنطفئ جَمالًا بِلطافَة البَاء ويُسرها؛ وكَأنّ مَفادَ هذه الرّحلَة: الحُبّ الحَق امتِدادُ اللفظِ الذي لا يَنفَد !


أن تَغوصَ في الحَرف تَعني أن تَتَنَفّسه بِعُمق، أن تَتَخِذَهُ سِلاحًا، يَكونَ طَبيبَ يَومِكَ قِراءَةً وكِتابَةً وسَماعًا، أن تَبني شَخصيّتِك عَلى شَكلِ قوامِه؛ فَطالَما تَلوّنتُ بالحَرف، وتَمَنّيتُ أن أكونَ كَما أكتُب:


فَليتَ لي أن ألبِسَ عَباءَة التَقوى كالتي تُحاطُ بِنُقطَةِ النّون .’!

ولَيتَ لِشَخصيّتي رِيحَاً زَكيّة كالتي تَبُثّها الهاءُ النقيةُ من العمق..

وليتَني أتزيّنُ بالأخلاق كَما يَتزيّن الحَرفُ بالخَط وتَشكيلاتِه..

لَيتَني أُصبح أطهَر وأنَقى.. أدَعُ النّفاق، ولا أتَلاعَب فَأكونُ ثابِتَاً راسِخاً كالنّقطة والحَرف، تُفسِد النّص إذا صَعدت أو خُفِضَت أو مُسحت..

لَيتَني بَسيطٌ بَساطَة الباء التي تَخرُج دونَ جُهد..

وليتَني كالياء التي تَتَستّر بالنون الساكِنة وقتَ اللقاء فَأختَفي في الحَقّ تَمامًا؛ فلا يُرى مِني إلا الثّبات كَغنّة موسيقيّة..

ليتني إذا شاهدتُ الشِدّة أصبِر وأتحمّل كألفٍ أطيلَت ستّاً قبل شَدّة..

ليتَ لِي في الدُنيا غَرسًا لا يَموت، كَالحرف الذي يُخَط في الصَّخر ولا يمَل..

ليتني حرفًا ينسابُ فأختَفي؛ ليذكُرني الأحياء .. ليتَ لي أن أكونَ حاءً يَجُدُ باءَه بالبَحث .’!


يا قارئ الحَرف ألزِم الحَرف بِفضلِه، وارعَى حولَ حِماه تَحتَمي، واقرأ مِن اسمِكَ الحَرف تَنعَمُ، وحاذِر فالحَرفُ فِتنة، وأحِل كُلّ جَملَةِ نَجاةٍ لألواح انحناء ودُسر ..


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات جعفر فوارس || شيء يعتقله عقلي

تدوينات ذات صلة