اعتقد أن البشر لديهم هذا المعتقد الراسخ أن الإنسان لا يكون إلا عاطفيًا أو عقلانيًا و يختلفون في أيهم نظرته للأمور أكثر إنصافًا.
و لكني أدركت اليوم ان كلاهما غير منصف، فالعاطفي متسرع، يبني قراراته علي حالته المزاجية و علي ما يمليه عليه قلبه ،و لا يضع اعتبارًا لعواقب الأمور. و العقلاني يقدس المنطق، يحاجج بالأدلة التي لا صلة للمشاعر بها، ينزع عن نفسه لباس الإنسانية و يفكر بشكل رياضي آلي فالمقدمات ستؤدي إلي نتائج حتمية، و ما يمليه عليه عقله يفعله ولا يضع اعتبارًا لما سيتسبب فيه ذلك من آلام ربما له و ربما لغيره.
كنت اؤمن أن التفكير العقلاني هو التفكير الصحيح حتي شاهدت أحد حلقات TEDX Talk كانت تناقش هذا الموضوع فطرح المحاضر علي المستمعين سؤالًا
اذا كنت تؤمن أن أحد طريقتا التفكير صحيحة سواء العاطفية أو العقلانية فماذا ستفعل اذا كنت علي مشارف توقيع صفقة مع أحد اكبر الشركات ستدخل ربحًا ماديًا و تجاريًا و حتي تسويقيًا غير مسبوقًا لمشروعك و كان من الحاضرين علي هذا الحدث بعض من أصدقائك و قبل التوقيع مباشرة أهان رئيس هذه الشركة صديق مقرب لك علي سبيل المثال، هل ستتمم الصفقة؟
العاطفي سينحاز عاطفيًا إلي صديقه، سينفعل و يغضب و قد يهين صاحب الشركة كما أهان صديقه، مما سيؤدي إلي ضياع فرصة مهمة سيندم عليها في وقت لاحق. و العقلاني سيضع تلك الأزمة في ميزان المنطق الذي بالتأكيد سترجح فيه كافة هذه الفرصة أمام كافة بها جملة صغيرة فقط بضع كلمات ربما أحزنت صديقه لكنه سيكون علي ما يرام قريبًا، مما سيؤدي إلي مشكلة مع صديقه الذي سيراه يسمح بإهانته علي الملأ.
أيهما تصرفه صحيح؟ أي الخسارتين أهون؟
بعد هذا السؤال أدركت أن كلا السبيلان يظلمان سالكيهما، و أن عدم تقديس طريقتا التفكير هو ما يجب علينا فعله. و قد رأيت سيد الخلق -صلي الله عليه وسلم- يمزج بين الأسلوبين فلا ينتمي لأحد الفريقين
بل كان يحلل الموقف و يرى أي الطريقين أفضل لاتخاذه.
فكما كان حازمًا عقلانيًا مع يهود بنو قريظة حينما حاولوا الغدر بهم، فقتل رجالهم و سبى نسائهم، فقد كان متساحمًا عطوفًا مع معشر قريش حينما أخبرهم أن أذهبوا فأنتم الطلقاء بعد أن حاربوه لسنوات و ما تركوا حيلة إلا و جربوها ليحيلوا بين الناس و بين هذا الدين.
فالجمع بين الطريقتان في اتخاذ القرارات هو الفعل الصواب:التفكير الموضوعي الذي يضع الأمور في نصابها بالإضافة لمراعاة مشاعر الآخرين و الرفق بهم.
و ليس المقصود بالجمع بينهم هو اتخاذ كل القرارات بمزيج بينهم بل الجمع بينهم في اسلوبنا فلا نحتكر احدي الطرق بل نقدر الوضع و ننظر في ايهما الامثل في كل موقف.
فلا يجب علينا ان نكون آلات لديها بضعة خيارات تختار الأفضل لها بلا مراعاة للاخرين ، ولا يجب علينا ان نكون ساذجين نضيع فرصنا من اجل الاخرين و ننحاز لما نفضل بلا اعمال عقل.
فأنت مزيج بين عقل و قلب، فلا تهمل أحدهما.
التعليقات
يا جامد انت