بعضُ الذكريات خلف بوابة مرحلة النضوج، وبدايات تشكُّل الفِكر.



مررتُ قبل يومين بصورة مضمونها استحداث شرطة نسائية داخل الحرم المكِّي بصورة مختلفة عن السابق، ولستُ هنا أريد التحدث عن صواب الفكرة أو حتى استيفاء تلك الشرطيات لضوابط الحجاب الشرعي، ولكن جالت بي خواطر كثير منها:


أولًا.. نحنُ جيل عاش بداية نضوجه في نهاية التسعينات وبداية الألفينات تحت سَطوة الفِكر السعودي "مش الكيوت أبدا" القائم على الصُراخ والاستعلاء، وللأسف كان انتشار دعاة وسطيين محدود جدًا على الأقل في إطار معرفتنا..

•• أتذكر جيدًا أشرطة "الكاست" التي كانت منتشرة ذلك الحين وكمية التخويف، حتى يكاد الواحد منا يتقلب في فراشه خوفًا من ذنوب لم يفعلها أصلًا..!

•• أتذكر جيدًا كتيبات الـ "يُهدى ولا يُباع" التي ساهمت بشكل كبير بإعراضنا عن كثير من المباحات خوفًا من الله، ونداءات الـ "أختااه" المتبوعة بالنهي عن كل شيء تقريبًا..!

•• أتذكر غلاظة التحذيرات من الذكور على أنهم بتعبيرهم "ذئابٌ بشرية" ولا يزال صدى الكلمة مع رداءة جودة التسجيلات والكثير من المؤثرات الصوتية يُسمع في ذهني إلى الآن كلما دفعتني الحياة للتعامل مع رجل..!

•• أتذكر برامج الفتاوى التي لم تكف عن التحريم والزجر والتعالي، حتى نكادُ من كثرة المحرمات تمني الموت خشية الفتنة..!


ثانيًا.. اعتمرتُ خلال حياتي ستة عُمرات كانت آخرها قبل عشرة سنوات، جُل ما في الخاطرة منها عذابات..

•• أتذكر عُصي "المطوّعين" التي تُضرب يمنة ويسرة باتجاه من لم تُغطي وجهها وصراخهم علينا "اتق الله" تتكرر حتى تساءلتُ هل "الله" عندهم هو نفسه "الله" الذي يحدثني عنه أبي..!

•• أتذكر همجية تفتيش حقائبنا على باب الحَرم واختناقِنا بين يدي ذواتِ عباءات الرأس، وكأننا ضيوف ثقيلي الظل على بيوتهن...!

•• أتذكر آلام ذراعي في قبضة أيديهن لإخراجي من روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم..!

•• أتذكر دعائهن علي حين عبرتُ البوابة وقد ملأت زجاجة من ماء زمزم كمن حاز الدنيا وما فيها، وفي أذني صوت إحداهن تسكبها على الأرض قبل انسكاب دموعي..!


ثالثًا.. رُبما نرى تحولات هذه الأيام على كثير مما مضى وتعديل لحاله وأحواله يصل إلى حد التنازلات، ولكن من يعوّض لنا عمرًا مضى..؟ من يُعافي ما تبقى فينا من خوف ورهبة ندفع ثمنها كل يوم في مواجهة الناس..؟ من يعتذر لنا..؟


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

كلام جميل ولكن أن نريد أن نبقى اقوياء لن ننتظر الاعتذار من احد باختصار -عيش حياتك بدون ماتنتظر احد يعتذر لك لانه جرحك وكمل ولا حبيب مشى وتركك باشد لحظاتك حالكة مليانه بالصعوبات ولا صديق رضى بانه يدفعك للدنيا بدون وجوده حولك وهو يعرف شكثر انت قلبك خواف لكن مع ذلك دفعك! مافيه اي احد رح يعتذر لنا على الجروح اللي كانت بسببهم ولا على الاذى اللي حصل لنا بسببهم، نكمل ونعيش ونبتسم لان عندنا رب كريم وحنون أكثر منهم هم بانفسهم! بالمناسبة " لا أسى على ماضي "!

إقرأ المزيد من تدوينات سَنـــــــاء الزيود

تدوينات ذات صلة