للأشخاص الّذين يشعرون كما لو أنّهم يركضون في كلّ الأوقات.


يخيلُ للواحدِ منّا أنّ أيامّه أضحت كما لو أنّها مضمار دائريّ الشّكل، طويل ومرهق بلا نهاية، أو أنّها صورة بلون واحد ذات حواف صلبة حادّة بإطار خشبيّ عتيق متآكل، وأنّ عليه أن يكون نسخة محددة ليناسب هذه الصّور. لن يحقق سعادة، أو راحة، أو إنجازًا إلّا إذا شكّل نفسه ومحيطه كما يلائمها.


ستسير أنت بهذه المضامير، برأسك الّذي تندلع فيه الأفكار الكثيفة المُتشابكة، تتمنى أحيانًا أن يخلو من الأصواتِ، والصّورِ، الأفكارِ والأشخاصِ، الأماكنِ، والأيامِ. ستسير محملًا بكلّ المعارك الّتي تجنبتها، والخيبات الّتي تناسيتها. ستسير مستمعًا لكلّ النّصوص الطّويلة والمزعجة الّتي تُملى عليك تخيّرك بين أمرين لا ثالث لهما، وكأنّ الصّواب هو خيار وحيد فقط وما غيره سراب.


هذا العالم الفسيح بكلّ ما فيه من أشياء لا تعدّ، لا يمكن أن يحصر بين اثنين، كلّ هذه الدّروب  الشّاسعة لا يمكن لها أن تحدّ. الحياة ليست أبيضًا وأسودًا فقط، ولا حتّى رمادية اللون، بل ذات ألوان عديدة لا حصر لها لو أردنا البدء في عدًها، فهنالك صور كثيرة يخترقها الضّوء، وأخرى بمطر وغيم.


ليست مسارًا مضماريًّا متكررًا، لو كانت كذلك ألن تكون مسارات لا نهائية؟ ولكنّها طُرقٌ مُتعددة ذات مسارات متعرجة، لا أصفُها بالسّهلة أو الممتعة من باب التفاؤل الأقرب للسّذاجة، فقد تكون متعبة وصعبة، ولكن حتمًا كلٌّ منّا سيجدُ شيئًا يُلائمهُ، شيئًا يتعلّمُه، ورُبّما شيئًا يُحبُّهُ. 


ما زال في العُمرِ متسعٌ من الوقت لتأخذ وقتًا مستقطعًا من مضمارك -كما نعتقد جميعًا، وان كان اعتقادًا خاطئًا- وتستلقي تحت شعاع الشمس الدافئ، وتشعر بضيائها البهي وكأنه يتخلل وجودك الآدمي، تستمع لحفيف الأوراق الخضراء، تتأمل السّماء الرّحبة كما لو كانت ملكك وحدك في هذه الدّقيقة، بذهنٍ خالٍ، وبالٍ مطمئنٍ ولو لبرهة من الوقت. 

إقرأ المزيد من تدوينات زينب المدني

تدوينات ذات صلة