قصة قصيرة تحاكي قضية زواج القاصرات بشخصيتّها الرئيسية سما


            لطالما أحكمتُ عدستي حتى التقط كل هذا الجمال وأضعه في صورة واحدة، صورة تشي عن أحوال الناس في هذا المكان، أُغرمت في تصوير الأبواب التي تخبئ أسرار أصحابها دون كلل، وتحتضن كل من يأتي إليها، كنت أحب المجيء إلى كشك الكتب الخاص بأبي يوسُف فهو يُعامل رفوفه وكتبه معاملةً فريدةً من نوعها، كانت نصيحته الدائمة لي " تشبثي بالكتب فهي الشيء الوحيد الذي لن يخذلك أبدًا "  كان رمشه يوقف أيّ دمعةٍ ستسقط لكنها تزحلقت من بين الجفن هذه المرة، قال لي لم أعتنق الثقافة إلا من وراء ابني يوسف –رحمه الله- كان يحلُم بانتقاء مكتبة تقع في قلب البلاد أسعى لتحقيق حلمه لكنني لا أقوَ إلا على هذا الكشك..

ربتُّ على كتفه بمواساةٍ وأكملت

هناك في قهوة العم صبحي كان عديدٌ من الرجال يتبادلون أطراف الحديث عن أوضاع البلاد، منهم من كان يتضجر ومنهم من نال الصبر منه، أما في الركن المقابل كان جزءٌ من كبار السن يلهون في لعبة طاولة الزهر لا أعرف كيف يلعبونها لكنني أعجز عن وصف متعتهم في مبارزة بعضهم، ففي كلِّ رمية نردٍ كانت توضع أكوابٌ هائلة من الشاي والقهوة فوق كلّ طاولة، والمتحمس في اللعب كانت أكوابه لا تعد ولا تحصى، أحرِّك العدسة إلى اليمين قليلاً ولازلت في نفس المكان، لأرى أجيالاً مختلفة يمكثون في مكان واحد الشباب مع بعضهم والصغار مع ألعابهم، شيءٌ غريب في عصرنا أليس كذلك؟ 

 

فتحت بريدي الالكتروني وتنبهتُ لوجود رسالة من مدير الشركة

_________________________________

العزيزة سَما .. تحيةً طيبةً وبعد

نحن نقدّر تعبك في شركتنا لكن يؤسفني أن أخبرك أنني سوف أغير عُمّال الشركة وفي نفس الوقت يصعب علينا الاستغناء عن خدماتك لذلك اعتبرِ ذلك تحدٍ لك، سوف تقومين بتجهيز فيلم عالي الجودة، عن قضيةٍ هامة تواجه المجتمع العربي على أن يكون مدة الفيلم خمسٌ وأربعون دقيقة، ولا خوفَ عليك في احتراف صناعة الأفلام، فلديك خبرة عالية مجال الإنتاج والإخراج السينمائي أيضًا.. ولا تنسيْ التسليم بعد ثلاثةِ أشهر

آه لقد نسيت تنتهي إجازتك الأسبوع المقبل، أطلقي العنان لأفكارك

دمت بخير.. المدير حسان الأحمد

_________________________________

أدركتُ أنني أحتاج إلى شيءٍ أتحدّاه في حلبَتي، فكانت رسالة المدير بمثابة جرعة أتت في وقتها، تذكرت بها كل الضغط الذي حاصرني في الآونة الأخيرة عندما انتصرت عليه وسلّمت كل شيء في وقته فقد طُلب مني إنشاء تقرير يلخص حياة أسطورة التمثيل ( تشارلي تشابلن) الذي أضحك الكثير بشخصيته وبشاربه المربع وقبعته التي خبأت تعبه وميَّزت طريق حلمه فهو الصعلوك أو المتشرد كما عرفناه بأول ظهور، تعبت كثيرًا في محاولة الإلمام بسيرته الذاتية التي تعج بالجهد المبذول، هو أيقونة يندر تكرارها.

- حسنًا سيدي سأبلغ أقصى جهودي .. كلُّ الاحترام

غفوتُ على الأريكة وأنا غارقة في محاولة اختيار قضية واحد من بين كل المشكلات التي نواجهها نحن كـعرب، أأتحدث عن الحروب أم الفقر؟ عمالة الأطفال أم التسوّل؟

أمرٌ معقدٌ جدًا أشبه بالاستغناء عن الماء واختيار الطعام أو العكس فكل واحد مكمل لبعضه! المستويات متقاربة جدًا والتفرقةُ صعبة للغاية ..

لم أخرج من البيت لثلاثة أيام كان التفكير والبحث قادة يومي من شروق شمسه وحتى دنوِّ فجره، خرجت بتشبيهٍ يصف حالنا كأُمة، مثل الشجرة الشامخة استقامتها هي الوحدة الوطنية وأغصانها الشعب، لكن الأساس هو من يحكم وضعيتها فإن صلُحت جذورها سَلِمت الشجرة وإن تخللها الفساد نمت أغصانها بغضب حتى باتت تتكسر وجفّت ثمارها إلى أن هُزمت..

فعليّ البحث في الجذور لإصلاح الانحناء الذي يقوِّس ظهرنا كأُمة

لأستعيد نشاطي ذهبت لأتمشى لعلّ الأرض ترتب فوضى أفكاري وتمتص التوتر منها، وكالعادة مررت بالكشك المفضل لدي

-      مرحبًا يا عمي

-      أهلاً وسهلاً، لماذا أطلتِ غيبتك هذه المرة؟

-      آه يا أبا يوسُف.. أغوص في مشروعٍ جديد، طُلِب أن أقدم فيلمًا عن إحدى مشكلات الوطن العربي، عجزت عن البحث

-      أبعدد مشكلاتنا عجزت عن اختيار واحدة على الأقل! كل الكتب أمامك يمكنكِ أخذ ما يناسبك

تقريبًا.. أحفظ كل الكتب التي يتم وضعها على تلك الرفوف، بينما كانت نظراتي تتراقص على أغلفة الكتب والروايات رأيت كتابًا لا يُخيَّل لي أنْ رأيته كان على يمين الطاولة، سألتُ أبا يوسف عنه فأجابني: هذا كتابٌ لامرأة انتقلت لتوِّها إلى حارتنا جاءت لتسأل عن وظيفة تسندها ومن ثقل ما حملت على كاهلها أوقعت ما بيدها ولم تنتبه أنها فقدت شيئًا يخصها، فوضعته هنا أملاً برجوعها

يا للأسف قد يكون هذا الكتاب قريبًا إلى قلبها، لفتتني أوراقه المتلفة، والألوان التي تنتشر على هوامشه، لكن غموضًا بسيطًا اعتراني.. كان كتابًا بلا عنوان  

نال الفضول مني وتطفلت على أول صفحةٍ كان الخط كبيراً جدًا فتناثر الأحرف وتموّج الخط أوحى إليّ أن الكاتب ترك الدراسة في منتصفها..

" كنتُ أتمنى لو أنني وردة في العهد العثماني، أُوضع فوق مطرقة الباب فإذا كنت صفراء أُعلم الناس أنّ مريضًا يمكث هنا فلا يجب إزعاجه، أما وإن كنتُ حمراء فأنا أُخبرهم أنّ فتاةً هنا وصلت إلى سن الزواج يمكنكم التقدم لخطبتها مع عدم التلفظ بكلمات جارحة تخدش أنوثتها، أُريد أن أنضم إليهم وأكون وردةً سوداء وضِعتْ حتى تخبر المارّة أنّ هناك فتاة دُفِنتْ طفولتُها على عتبة باب زوجها واندرجت تحت مُسمّى " قاصر".. أُصدر حكم الإعدام خاصتي عندما تزوجت رجلاً يكبرني بأربعين سنةً، فأنا لست الزهرة لوتس أنا عكسها تمامًا، افتقرت دميتي الوحيدة وفساتينها المرقعة ظنّوا أنهم أوقعوها من هاوية ذاكرتي .."

شعرت أنني لمست إحساسها وقتما قرأت، يبدو أن دموعها أشبعت الأوراق حتى أتلفتها، ربطت قلبي بمعاناتها.. يا إلهي حقًا آلامُنا لا تساوي شيئًا إن تطرقنا لأوجاع غيرنا، أخذتُ أتخيل شكلها، غالبًا الأشخاص الذين لا يثقون بشكلهم يكونون أجمل مما ظنوا بكثير، كيف هي؟ هل ألمها ظاهرٌ على ملامحها يا تُرى؟ كنت متلهفة لرؤيتها والتعرف عليها لذلك تركت رقمي وعنواني إن بان أثرٌ للوتس، بعد محاولات الإقناع التي بذلتها مع أبي يوسف أخذت الكتاب معي أو المذكرة بالأصح

لُمتُ نفسي قليلاً عندما بحثتُ في مواضيعٍ ذات أرحامٍ عقيمة لا تلد حلاً أبدا! فمنذ ذلك اليوم استوحيت فكرة القاصرات للفيلم القادم.. حتى أنني بدأت بالعمل،  لذلك أحضرت دفتري وبدأت برصد الملاحظات الهامة، فقد صممت على دراسة الموضوع بحذافيره لكن تملكتني الصدمة عندما قرأتُ أنّ هناك نحو ستمئة وخمسين مليون امرأة قد تزوجن في طفولتهنّ على مستوى العالم، ورافقتهنّ مضاعفات سلبية وقت الحمل والولادة ونسبٌ كبيرة لم يتحمل ظهرهن ثقل الحمل فأجهضنَ، ومشاكل كثيرةٌ تشوب تلك المجتمعات التي تسمح بزواج طفلةٍ لرجلٍ بضِعف عمر أبيها، وإن تطلقت في السابعة عشرة ولديها طفل، ما رأتْ من هذه الدنيا إلا نظرةً من ثُقبِ المقبض؟ للأسف هم لا يطبقون القانون هم صنعوا من الاستثناء قانونًا جديدًا يخصهم..

كان أول يوم في التصوير، كنت راضية على كل أداءٍ افتُعِل على ساحة العرض فلم أكن أتوقع أن يأخذوا هذا القضية على محمل الجد، عروقهم تنبض بالإصلاح، مر المدير أثناء العمل:

-      كيف الحال؟ ما أخبار المشروع الجديد؟

-      كلٌّ يسير على ما يُرام، وقع اختياري على قضية زواج القاصرات وكما ترى بدأنا التصوير اليوم

-      رد باستغراب: قضيةٌ مندَثِرة.. كيف أَحييتِها؟

-      هي ليست مندثرة لكنها موضوعةٌ على رفِّ مشكلاتِ عصرنا المهمَلة التي تكتل الغبار عليها حتى أزهقه المكوث

-      بحثتِ في الباطن وأحسنتِ الاختيار، أنتظر التميز في العرض

-      سأكون عند حسن ظنك

كان هناك فرق شاسع بين ردة الفعل الخاصة بالمدير حسان ورأي السيدة ليلى " المديرة العامة"  قالت إنها فكرةٌ يشوبها الفشل وعليّ تغييرها ففي كل موقف تنتقدني فيه كنت أتجاهل رأيها حتى أصمد بقوة وأثبت العكس..

لم يفارقني التفكير بـلوتس، اصطحبتُ مذكراتها؛ لأقرأها في وقت الاستراحة، لا زلت أُركّب ملامحها قي عقلي فقد مرّ شهرٌ ولم تأتي إلى الكشك لتسأل عن مذكرتها

" كنت أستمع فقط، كانت النميمة هنا تُخيِّم بشكلٍ مخيف، مجموعةٌ من النسوة يتحدثن بصخب، وجّهن النظر إليَّ فجأةً وبدأتْ النصائح تتضارب بين جدران المطبخ، بتُّ أُصَمُّ من إزعاجهنّ لكنني حقًا أصبحت صمّاء عاجزة عندما رأيتُ أزهار جيلي أحرارًا خلف قضبان النافذة، هنا شعرت أنني الجار الثامن الذي لم تشمله الوصية! لن أمسك بِيَد الهرب لكن سيواعدني الإكمال بالقتل، يحتويني الصبر من أجل أُمي فمن سيُعيلها في مرضها إن ذهبْت، تكسرنا تكاليف علاجها التي تقع على عاتق من يسمونه زوجي! "

قطع رنين الهاتف حبل تركيزي فقد اتصل أبو يوسُف حتى يخبرني أن من تُدعى لوتس تجلس أمامه الآن.. لا أعلم كيف قادتني قدماي بسرعة إلى الكشك، حال دخولي لم أرَها، كانت موليةً ظهرها تغوص بالنظر إلى الكتب، عندما ناديتها بزهرة اللوتس التفتت بحزمٍ وقالت لقد غيّرت اسمي أنا لم أعد لوتس..

كانت في  بداية الأربعين، لكن بدا لي أنها في بداية الستين فقد أكل الهم وجهها وانتزع البكاء حيوية بصرها، تحدثنا كثيرًا، وقطع السيف وقتنا من شدة اندماجنا بالحديث ..

-      لو أنك أكملتِ تلك الصفحات الفارغة التي تركتها في مذكرتك، بماذا ستغطِّين حبرها؟

-      لقد انتهت دموعي في اليوم الذي قررت به أن أكون قوية، فاضت نفسي من الظلم الذي تعرضت له من الزوج وضرّتيْ، فكنت أنا أصغرهنّ سنًا، وحملت في أحشائي بَـتَلةً رقيقة أسقيتها بالصبر حتى تتورد لكنني لا أنس اليوم الذي ضربني فيه وتوفيت زهرتي بداخلي قبل نموّها، في ذلك اليوم متُّ في داخل نفسي، وبعد أشهر خرجت في يوم دفن زوجي ولم أعد حتى الآن كان كالجاثوم ثقلاً على صدري لكنني تخلصت منه وجئت هنا وتوظفتُ في معمل الخياطة أبرع فيها منذ صغري، لذلك يا سما أُريدك أن تبدعي في الفيلم خاصتك، لا أريد أن يعيش أحدٌ تجربتي، وأدُ النفس الحية صعب للغاية.

كنّا نتقابل يوميًا على الأغلب، كانت في كل مرةٍ تتحدث تلامس قلبي، وفي كل موقفٍ أتعلم منها حكمة حياتية، اصطحبتها معي في يوم التصوير، أصلحتْ بعض الأخطاء الطفيفة في الأداء وأضافت أناملها أحداثًا جمّلت المحتوى، لكن الصحة بدأت تختفي من جسدها ..

ثلاثُ شهورٍ مرّت كـسرعة البرق بالنسبة لي، ربما لأنني عشت أحداث حياة لوتس بأمهاتِ تفاصيلِها، كنت متحمسةً للعرض وواثقةً بأن كلّ شيءٍ رائع

24-6- 1981 هذا تاريخ ميلاد لوتس، أردت أن أصنع لها تاريخًا جديدًا أو بالأحرى مولدًا جديدًا يحمل في طيّاته الأمل والفرحة المطلقة اخترته موعدًا لعرض الفيلم خاصتي لسنة 2020 كان الحضور يزداد كل تارة، فاقت البهجة مخيلتي هذه المرة، كنت متوترة جدًا حالما فُتحت الستائرُ وبدأ الفيلم

خمسٌ وأربعون دقيقة كنت على أعصابي، هززت قدمي خلالها ألف مرة ومسحت جبيني مئة مرة، في المقدمة تجلس لوتس رأيت دموعها تحتضن تجاعيد وجهها مع ابتسامةٍ كلها ثقةٌ وفخر، ازدادت ضربات قلبي عندما أُغلقت الستائر، كسر التصفيق وصوت الصفير زجاج الصمت في القاعة، كلٌّ يقف على قدميه محييًا، المدير والسيدة ليلى التي خلتُ أنها ستكون آخر من صفق وأول من انتقد، وكلُّ الذين تعبوا معي كانوا يقفون فرحين بما عرضنا.. اصطحبتُ لوتس معي إلى المنصة وشكرتها من كلّ قلبي، هتف الجميع باسمها كانت فرحتها غالية على قلبي كثيرًا

توالت الأسئلة بعد العرض لأيامٍ طويلة فقد ضجّ الكثير سائلين أهي قصةٌ حقيقة وواقعية عاشتها هذا المرأة؟ لأن الأحداث التي عُرِضت آلمت قلوب الجميع!

تعمدتُ أن أضع كل شيء يخصها وكل معاناةٍ عاشتها لأنفذ ما طلبته لوتس حتى عن زواج قاصرة أكل الدهر على أحلامها وشرب.

" قد تقرئين كلماتي هذه وأنا في مكانٍ تحتويني الراحة فيه، أنا لوتس يا أمي، لوتس التي ضحّت بحياتها لأجل عائلتها التي ما احتوتها يومًا، أحمِلُ لك أخبارًا ستحبينها كثيرًا، رزقني الله بابنةٍ لم أنجبها، اسمها سما؛ هي تشبه السماء بجمالها خفيفة على القلوب مثل الغيمة بالضبط، التقيتُ بها بعد الظلم الذي عانيته، بعدما أضحيتُ شظايا امرأة، قاسيةً كما رآني البعض لكنها ألانت قلبي باهتمامها، عرضت قصتي في فيلم رُشِّح لجائزة ( اوسكار) كأعظم فيلم انساني قصير، واحتفلت وابنتي بفوزنا وقد أصبحت رئيسة الجمعية العالمية لحقوق المرأة، تحت رعاية اليونيسف لا أعلم إن قلتها بشكل صحيح لكنني أسمع سما دائمًا ترددها، عندما أُحاول تذكر طفولتي أتذكر فقط أنني زُففت حاملة دميتي في يميني وسلكٌ خانقٌ استقر في إصبعي، لكنني تحررت من تلك الذكريات، لوتس لم تعد كما تركتِها، استعادت مجدها لتغدو في أحلامها تتعطش إلى الألى، كنت أود زيارتك لكنني لم أجد قبرك، لعلّ رسالتي تصل إليك، أعلم أنك في مكان ما، تسمعينني، تشعرين بي..

فلترقد روحك بسلام.."


النهاية

للكاتبة: راما بسام الرجبي

                                              

 


 


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

أبدعتي عزيزتي🦋

إقرأ المزيد من تدوينات راما الرجبي

تدوينات ذات صلة