الفارس "مُحَمَّد القطيش" جرادات، لم يكن يشعر بغير الإسعاد في جوِّ الغمراتِ تلو الغمرات، فهو مطمئن إلى فرسهِ، متأكّد من صدق صداقته

فارس حوران 94153138412976260


الأصلُ والفصل في أرضِ الشَّامِ والوصل.

ها هو المؤذِّن ينادي إلى الصّلاة، ارتديت معطفي وأعددت الأمتعة، والمؤذِّن يحيعل، خرجتُ إلى المسجدِ مسرعًا، استقلت مركبة وتوجهت إلى الحدود، الحدود التي أبغضُها كُلّ البُغض! لأنَّ من وضعها ومن أيّدهُ بوضعها، كان لهم هدف واحد، وهو تفرِقةُ العَرب عن بعضها! أيُّ حدٍّ هذا الذي يمنعني من الدّخولِ إلى أرض الله؟! أيُّ جوازٍ هذا الذي يقيّد حركتي؟! هذا ما كانوا يصبون إليه ونجحوا في ذلك مع الأسف.

أزلت سِتارة النافذة وبَدَت لي حوران، بلادٌ عَريضةٌ وأرضٌ أريضةٌ، مّدافعُ غيثٍ في فَضاءٍ عَريضِ. تذكّرت قول الملك الضّلّيل والمتنبّي وجرير والحطيئة وكثير من الشّعراء في تلك السّاعة.

فَلمَّا بَدَت حَورَانُ في الآلِ دُونَها، نَظَرتَ فلم تَنظُرْ بِعَينَيكَ منْظَرَا. حوران، مسقط الرّأس، وحبّة الرّوح، ترعرعت في تربتها، وحرثت أرضها وزرعتها وحصدتها، كانت سلّة غذاء العرب، والمصدر الرّئيسي لحبوب بلاد الشام. أرضٌ مباركة، ذات قرى كثيرة ومزارع وحرار، تذكّرت قصّةً رواها لي أبي عن جدّه "مُحَمَّد القطيش" جرادات، الّذي لقّبه والي الشّام في نهايةِ القرن التاسع عشر بــ (فارس حوران)، هبّتْ شمالاً فذكرى ما ذكرتكمْ، عندَ الصفاةِ التي شرقيَّ حورانا؛ وذلك في زيارةٍ لهُ إليها وتفقُّد أحوال النّاس. وحضور مضمار سباق الخيل، وكان من أبرز الفرسان جدُّنا، ضخم الخلقة قويّ البُنية، في كتفه الأيمن شامة امتاز بها عن غيره، وكانت دليله، والتي ورثتها عنه عن دون إخوتي ومن يقربني، يمتطي فرسًا شاميًّا عرّاب أدهم عالي التّليل، يكرّ ويفرّ في المضمار، أبيٌّ يركب أبيًّا. هذا السباق ليس كما نعرفه الآن، بل هو صراع البقاء، القويُّ من يبقى صامدًا لا تهزّه هزّه، ولا تلزّه لزّه، دخل جدّنا أرض المعركة القاسية على ظهر حصانه الذي كتب اسم صاحبه عليها (القطيش) أوّل حرفٍ من اسمهِ كتبت، سنابك الخيل في الجلاميدِ، وثار النقع وارتفع إلى عَنان السّماء، لا يأبه أحدًا، فمَن تُسوِّل له نفسُه الوقوفَ في طريقه، فمصيرُه المحتومُ هو الأرض، أو اللِّواذُ بالفرار، ومِثْلٌ لاذَ بالبحرِ هاربُه. يزيح كل من يظهر أمامه بالمطرح (رمح طويل، من دون القطعة المعدنية المدببة)، بضربٍ يذوقُ الموتُ مَن ذاق طعمهُ، رمح كذاك الذي كان يُستخدم في العصور الوسطى عند الرّوم، يقف الفارس في بداية المضمار ويسند المطرح إلى كتفه بقوَّة، ويوجهه إلى الأمام، فيندفع بسرعةٍ كبيرة ويصدم من يقابله، ويطرحه أرضًا، والبقاء للأقوى.. تفرَّق الكل شَذَر مَذَر، ولم يبقَ في الميدان إلَّا جدّنا وفارسٌ آخر بيد أنّه جلمود، فوقف كُلّ واحدٍ في طرف وتهيّئوا، والجماهير حولهم تصيح، قام الوالي من مجلسه وصبَّ اهتمامهُ في الميدان، هدأت الجماهير عند وقفة الوالي، وساد الصّمت في كلِّ مكان، ولم يسمع إلَّا صوت النَّحيط، فاندفع ذاك الفارس نحو جدّي بسرعة مفاجئة وانطلق إليه جدّي، واقتربا ووجّها إلى بعضهما المطارح، فأصابه جدّي في كتفه الأيسر وانكسر الرُّمح، ولم يقع ذاك الفارس من تلك الضَّربة! فتقابلا من جديد وقامت الجماهير تصيح، كيف لهذا أن يبارز من دون سلاح، فانْدفعوا وثار النقع وتلاقيا، فَاخْتَطفهُ جدّي من على حصانه قبل أن يوجّه إليه الضّربة، ورماه أرضًا أمام الوالي والجماهير الغفيرة.

رفع الوالي يده، وسكت الجميع، وجدّي يقبل ويدبر على حصانه أمامه، قال يا ابن الجرادات أنت منذ اليوم (فارس حوران) فانْشدهت الجماهير بعضهم صاح وصفّق.. والبعض تفاجأ، لأنَّ في توقّعهم أن يعطيه مالًا أو يولّيه على أمرٍ ما، فتمثّل الوالي بقول المتنبّي:

لا خَيلَ عِندَكَ تُهديها وَلا مالُ فَليُسعِدِ النُطقُ إِن لَم تُسعِدِ الحالُ

الفارس "مُحَمَّد القطيش" جرادات، لم يكن يشعر بغير الإسعاد في جوِّ الغمراتِ تلو الغمرات، فهو مطمئن إلى فرسهِ، متأكّد من صدق صداقته، فهو على أعزّ مكان في الدُّنا، السّرج السّابح، فلا حصن كالحصان ولا جنّة كالسِّنان. فَقَد ضَمِنَت لهُ المُهَجُ الغَوَالي، وحمَّل هَمَّهُ الخّيلَ العِتَاقَا. هذه قصّة "مُحَمَّد القطيش" الجرادات، فارس حوران، مكثّفة.

لأبي عمرو، محمد نور جرادات.

#محمدنورجرادات #صاحب_الكتاب_والقلم


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

تدوينات من تصنيف محتوى أدبي

تدوينات ذات صلة