"إنه عالم الجينات، العالم الساحر الذي لم نزل نجهله أكثر مما نعلمه"


دائما ما كنت أتسائل في نفسي وأنا طفل صغير، ما الذي يجعل الضفدعة ضفدعة، والحمار حمار، والبقرة بقرة، والنملة نملة، وهكذا كل حيوان مختلف تماما في شكله وحجمه وسلوكه عن الآخر. وكنت أتسائل أيضا، لماذا تنموا اجسادنا فيزداد طولنا ونحن أطفال ثم تتوقف أطوالنا فجأة وعند طول محدد.

وما من مرة سألت نفسي سؤالا من هذه الأسئلة واستطعت الإجابة عليه. حتي الكبار عندما كنت أوجه لهم هذه الأسئلة كانت اجابتهم "هكذا خلقنا الله". ولكني عندما كبرت ودرست علم البيولوجيا، تعلمت أن حفنة الجينات الموجودة في نواة الخلية هي الصندوق المغلق الذي يحتوي علي شفرة كل كائن هي إنسان كان أو حيوان أو نبات. وتعلمت أنه رغم التشابه الكبير في الجينات بين الإنسان والفأر والقرد والموز، إلا أن كل منهم يختلف تماما عن الآخر.

وتعلمت أن الجينات بنوعها وعددها وحروف هجائها هي التي تحدد جغرافيا الجسم. فهي التي تجعل الرأس فوق العنق والأقدام تمشي علي الأرض، وهي التي تجعل الأيدي أذرع أو أجنحة أو زعنفة، وهي التي تجعل الجذر يغوص ناحية الأرض طواعية والساق وأوراقها تتجه إلي أعلي في الهواء بلا خوف. وهي التي تجعل حيوان يعيش علي اليابسة وآخر يعيش في الماء وآخر يطير في الهواء وآخر يزحف وآخر يتنقل من الأرض إلي الهواء أو إلي الماء.

وتعلمت أن العبرة ليست بعدد الجينات أو طولها ولكن بنوعية وترتيب حروف الهجاء التي تتكون منها. فتغيير حرف واحد من هذه الحروف قادر عل أن يعطي وظيفة جديدة للبروتين الذي يصنعه ذلك الحين. وتعلمت أن حفنة قليلة من جينات محددة هو الذي يجعل القرد قردا والإنسان انسانا. وتعلمت أيضا أن زيادة أو نقصان أو تبديل حرف واحد من التتابع الطبيعي لحروف الهجاء لجين ما يؤدي إلي أمراض خطيرة منها السرطان. وتعلمت أيضا أن الوظائف الكامنة في الجينات تتأثر بالبيئة فتزداد أو تنقص في وظائفها عند حدوث تغيرات كبيرة في عوامل البيئة التي يعيش فيها الكائن الحي.

وتعلمت أيضا أن جيناتنا هي المسئولة عن طولنا وعرضنا وملامحنا ولون بشرتنا ومزاجنا وسلوكنا. تعلمت أن وراء كل جين وظيفة يقوم بها البروتين الذي يصنعه هذا الجين. وتعلمت أن الجينات تتحمل درجات حرارة أعلي من البروتينات، فهي الوحيدة التي تستطيع تكوين بدل فاقد من البروتينات التالفة إذا أُصبنا بالحمي التي من المعروف أنها تدمر معظم البروتينات إذا استمرت بلا علاج.

وهكذا علمتني البيولوجيا جزء من أسرار الحياة ولماذا القرد قردا والفيل فيلا، إنها الجينات التي تجعل القرد يتحرك بسرعة فائقة بطريقة مبرمجة، وتجعل الإنسان كائن يتميز بالفكر والذكاء، وتجعل الدودة تزحف والأرنب يقفز والسلحفاة تمشي ببطيء شديد والثعبان يتلوى ويلتوي حول فريسته كما يشاء. والجينات هي التي تجعل حيوانا مكون من خلية واحدة مثل البراميسيوم يستطيع العيش في بركة من المياه الراكدة الآسنة الملوثة دون أن يموت، وعلي النقيض التام هي أيضا التي تجعل خلية دم واحدة من الإنسان لا تستطيع العيش أكثر من أسبوع واحد في المزارع الخلوية المعقمة حتي ولو توفر لها الغذاء والماء والهواء.

فإذا قابلت انسانا لا يعجبك شكله أو لونه، أو عصبي المزاج بطبعه، أو متقوقع في نفسه بطبعه، فلا تُخبره بما تشعر فعلينا ألا نحاسب الناس علي جيناتهم.

إنه عالم الجينات، العالم الساحر الذي لم نزل نجهله أكثر مما نعلمه ....

مع خالص تحياتي

د. محمد لبيب سالم

#محمد_لبيب_سالم_خواطر




ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة