البشر وحدهم يجيدون الخداع، يبتسمون وهم يطعنون، يعِدون وهم يخذلون. قسوتهم تتجاوز الكلمات، إنها صمت بارد ووعود زائفة وخذلان لا ينتهي.

لم أرَ شيئًا في حياتي أكثر قسوة من البشر

نحن الكائنات التي تعقد صفقاتها مع القدر، نساوم على أيامنا، ونقايض نقاء أرواحنا بأثمان نعتقد أنها ستنقذنا. نبحث عن الحقيقة بين الظلال، نركض وراء يقين هش، نحاول أن نمسك بالواقع لكنه يتبخر بين أصابعنا كضباب صباحي عنيد. ثم نعود لنحتمي بأوهامنا، نغلف هشاشتنا بحقائق نسبية، ونحكم على الآخرين من منابر مزيفة لم نثبت عليها إلا بأقدام مرتجفة.

ما القسوة؟ هل هي في الكلمة التي لم تُقل، أم في تلك التي قيلت في غير وقتها؟ هل هي في الجفاء البارد، أم في دفء مُزيف يُقدَّم فقط عندما يحتاج الآخرون إليه؟ نحن نعيش في مجتمعات تُقدّس المعايير لكنها تُلغي الاختلاف، تُطالبك بأن تكون نفسك لكنها تحاسبك إن لم تكن نسخة مما يريدون.

نحن نعيش واقعًا حُكم عليه بالأُحادية، لأن التعددية تزعج العقول التي تخشى الانزلاق في دوامة الأسئلة. يريدون يقينًا نهائيًا، لكنهم يرفضون الاعتراف بأنه حتى الحقيقة تحمل ملامحنا نحن، تنحني لرؤيتنا الخاصة، وتتبع خطانا كيفما رسمناها.

ومع ذلك، رغم كل ما رأيته من قسوة البشر، أعلم أن الإنسان ليس شرًا خالصًا، بل هو انعكاس معقد لنورٍ وظل. وحين أواجه خذلانًا جديدًا، لا أراه سوى جزء من الحكاية التي نعيشها جميعًا، حيث يتداخل الخيال بالحقيقة، والوهم بالواقع، والإنسان بنفسه.. يظل أعقد الألغاز على الإطلاق.


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات الأستاذة والكاتبة: سندس حمدان

تدوينات ذات صلة