"إذا كنا نتميز بعقل راجح وإذا كنا سنبذل وقت ومجهود ومال فلماذا لا يكون كل ذلك من أجل سؤال عظيم يحتاج إلى إجابة أعظم"


بهدوء

ونظرة عتاب وحديث مع باحث عن فلسفة العلوم


دائما ما أشعر بضيق وغضب شديد عندما أتناقش مع طلابي خاصة الذين يسعون لإجراء أبحاث معي واكتشف أنهم ليسوا على دراية بفلسفة العلوم. بل يتعجب بعضهم من اندهاشي بأنهم جاهلون بفلسفة العلوم. ومع أن الدكتوراه في الكليات العملية تسمي "دكتوراه فلسفة العلوم"، إلا أن فلسفة العلوم غائبة تماما عن أعين الباحثين. وبالطبع يبدوا هذا الغياب واضحًا عندما لا يستطيع الباحثين الإجابة على الأسئلة التقليدية عند الشروع في اجراء أي بحث وخاصة أهم سؤال الذي لا بد من طرحه في البحث العلمي وهو "لماذا تقوم بهذا البحث".

ولماذا هنا معناها كبير ومتعدد فهو يعني لماذا هذه المادة بعينها دون غيرها، ولماذا هذه الجرعة دون غيرها، ولماذا هذا الحيوان أو هذا النبات وليس غيره، ولماذا هذا السؤال نفسه وليس غيره.

وبالطبع ليس "لماذا" فقط، بل أن هناك العديد من الأسئلة التي تساعد جميعها في تحديد المشكلة موضع البحث لإيجاد سؤال محدد مطلوب الإجابة عليه، ثم تحويله إلى فرضية مطلوب اختبارها في معمليا، ثم تحديد الأهداف التي من خلالها يتم اختبار هذه الفرضية للوصول إلى الإجابة المطلوبة. وبالطبع، كل ذلك لا بد أن يكون وراءه قاعدة علمية دقيقة ومستنيرة بالأبحاث السابقة والحالية حتى يتم التأكد أن السؤال لم يُطرح من قبل أو لم يتم الإجابة عليه من قبل أصبح ليس له معني أو نفع.

ولكي أكون صريحا وواقعيا وجدت أن معظم الباحثين لا يطبقون منهج التفكير العلمي ولا الفلسفة العلمية على المواضيع البحثية التي يختارون اجراءها. بل أني أشعر أن معظم الأبحاث مجرد اجتهاد شخصي غير مبني على أسباب منطقية وراءها وأمامها فلسفة علمية مطلوب الإجابة عليها بمنهجية واضحة المعالم. فما الفلسفة العلمية هنا إلا طرح سؤال وراء سؤال وسؤال جديد يتولد من سؤال قبله وهكذا سواء كان ذلك بأسلوب العصف الذهني أو الترتيب المنطقي. المهم أن يكون هناك أسئلة قبل الحديث عن الأهداف.

ولكني وللأسف الشديد وجدت أن الغالبية العظمي من الباحثين يبدؤون بالحديث عن الأهداف دون وجود أسئلة واضحة مطلوب الإجابة عليها، وبدون معرفة بالفرضية وراء الأهداف, ولا ما إذا كانت هذه الأهداف منطقية وجديدة أم لا. أي أن الباحث ليس لديه استراتيجية بحثية علمية واضحة ولا خارطة طريق يسير عليها من بحث إلى بحث جديد. والدليل على ما أقوله إن ناتج البحث العلمي لمعظم الباحثين ليس له بصمة في موضوع واحد، بل موضوعات مختلفة وفي الغالب ليس لها علاقة ببعضها البعض مما يدل على غياب الاستراتيجية وكأن الباحث يقوم بإجراء أبحاث طبقا لأحلامه الوردية ورؤيته الشخصية التي قد تأتيه فجأة وبلا أسباب مسبقة بعيدا عن التحديات العلمية والمجتمعية والمؤسسية.

ولتقريب الموضوع للذهن سأعطي مثالا بسيطا وواقعي والذي يحدث معي كثيرا.

جاءني باحث ليتعاون معي في مجال اكتشاف العقاقير للسرطان. عرض عليً فكرته التي تعتمد على استخدام مستخلص من نبات معين ضد خلايا السرطان. سألته لماذا هذا المستخلص من هذا النبات بالتحديد وليس غيره من النباتات. وكان الرد غير علمي بالمرة وهو أنه قرأ وعرف أن له تأثير مثبط للخلايا السرطانية. سألته إذا كان الأمر كذلك، ما هو الجديد، ومع ذلك ما هي النقاط التي لم تتطرق اليها الأبحاث السابقة حتى تستطيع أنت دراستها. وللأسف لم يكن مُلما على الإطلاق رغم أن الأبحاث كانت معه، ولكن لم يقرأها بهذه الفلسفة.

سألته وماذا في هذا النبات ما يجعلك تختاره دون غيره. وكان الرد غير ناضج بالمرة حيث قال إن هذا النبات به مواد مضادة للأكسدة وبالتالي يفسر جزئيا التأثير المتوقع على الخلايا السرطانية.

سألته وماذا عن النبات "الفلاني" فقد يكون فيه مواد مضادة للأكسدة أقوي. رد ببساطة "نعم يجوز". سألته ولماذا لم تقارن محتوي المواد المضادة للأكسدة في هذا النبات مع النباتات الأخرى في الدراسات المنشورة لكي تحدد أقواهم تأثيرا وأقلهم في حدوث أعراض جانبية. رد بأدب جم حاضر سأفعل.

قلت ولماذا تركز فقط على الخواص المضادة للأكسدة فلكي نقتل الخلايا السرطانية نحتاج إلى مواد ذات خصائص مضادة لأحد الخواص الخبيثة الأربعة للخلايا السرطانية أو كلها وهي: 1) القدرة على التضاعف الجنوني، 2) والقدرة على تكوين اوعية دموية جديدة، 3) والقدرة على الانتقال من مكانها إلى أقرب نسيج ليمفاوي، و4) القدرة على الانتشار عبر الدم إلي أماكن أخري بعيدة. وبالطبع فوق كل ذلك تحور الخلايا السرطانية لاكتساب القدرة على تحمل العلاج بعد فترة وقدرتها على تحويل جزء منها في غياب الأكسجين والغذاء إلى خلايا سرطانية جذعية قادرة على الكمون حتى تتحسن الظروف فتعود بقوة.

كان رده بأدب شديد “في الواقع ليس لدي خطة محددة أو سبب محددة أستطيع به أن أدلل أن مكونات هذا النبات بالتحديد تستطيع التعامل بقوة مع الخلايا السرطانية لوقف نشاطها. وكان السؤال المنطقي الأخير من جانبي: ولماذا اخترت هذا النوع من خلايا سرطان الرئة بالتحديد وليس خلايا سرطان الكبد أو الثدي أو القولون؟ وكان الرد غير علمي بالمرة حيث قال "لأن هذه الخلايا هي المتاحة ولا أعرف شيئا عن الخلايا الأخرى".

ومع أني احترمت وقدرت المناقشة العلمية مع هذا الباحث وصراحته المطلقة وحرصه على الاستماع والاستفادة من الحديث الذي دار بيننا، إلا أنني شعرت بغصة في قلبي لعدم المامه بأصول قواعد البحث العلمي من التفكير العلمي المنهجي وفلسفة وتاريخ العلوم في هذا المجال، خاصة أنه حاصل على الدكتوراه منذ ثلاث سنوات. شعرت بغصة لأنه حصل على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم، ولكنه لم يقرأ ولم يتدرب ولم ينفذ ذلك في رسالته، ببساطة شديدة لأنه لم يدرس المنهج العلمي ولا فلسفة العلوم ولا تاريخ العلوم. وأتوقع أن المشرف عليه في رسالة الدكتوراه لم يوجهه لهذا الاتجاه ليكون مسلحا به قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم ويصلح مسئولا ومشرفا وباحثا. ولذلك طلبت منه تحديد ميعاد اخر معي على ان يقرا جيدا في الموضوع ولا يأتي قبل أن يصل إلى فرضية واضحة.

شكرني ووعدني بالتنفيذ وظننته لا يفعل فقد يكون قد غضب من كلامي وكتم غيظه. ولكني فجأة به يعود بعد أسبوع ومعه فرضية رائعة جدا، وسؤال علمي منطقي يحتاج الإجابة عليه فقد وضع يده على مركب محدد في مستخلص النبات له تأثيرات بيولوجية محددة تستطيع أن توقف نشاط بروتين محدد في خلايا سرطانية محددة غير التي كان اقترحها في البداية. وهنا فقط قبلت التعاون معه بعد ان أصبح لدينا سؤال كبير. وهنا أصبح للوقت والمجهود الذي سوف يبذل علي هذا البحث والميزانية التي سوف يتم صرفها عليه معني وأهمية بل ومن الممكن تحويله إلي مشروع بحثي يتم تمويله.

وفي هذا الصدد سوف أسافر معكم سريعًا في سياحة علمية خلال تاريخ العلوم لأكثر من ١٥٠ عاما حتى وقتنا هذا لأعطي مثالًا بسيطا كيف يتطور الفكر العلمي ونواتجه واكتشافاته من خلال طرح أسئلة بسيطة لكي نصل إلى إجابات كبيرة قد تغير مفهومنا للأشياء والكائنات الحية والكون كما حدث في جميع المجالات علي يد العلماء بدءا من فرانسيس بيكون ومرورا بجاليليو وباستير ونيوتن حتى البروفيسور السويدي «سڤانتي بابو» الذي فاز بـجائزة نوبل في الطب عن عام 2022، عن أعماله المضنية في علم الجينوم البشري. وبعد أن أخذكم في هذه السياحة الخاطفة سوف أترككم مع سؤال كبير مازال العلماء يسعون جاهدين للإجابة الدقيقة عليه خاصة أنه كانت هناك آلاف الأسئلة التي طرحها العلماء قبل طرح هذا السؤال في العقود السابقة وحاولوا الإجابة عليها حتى ننعم بما لدينا من انتاج علمي وعرفي بين أيدينا.

في عهد داروين لم يكن معروفا كيف تنتقل الصفات من فرد إلى آخر وكان الأمر صندوقا مغلقا لم يستطع أحد آنذاك أن يفتحه. حتى الراهب مندل نفسه لم يستطع فتح هذا الصندوق، ولكنه نجح بذكاء وحكمة بعد تجارب عديدة على نبات البسلة في حديقة منزله أن يضع قوانين توارث الصفات من الآباء إلى الأبناء طبقا للصفات السائدة والمتنحية. وكانت الدراسات كلها آنذاك تعتمد علي علم الشكل الظاهري "المورفولوجيا" وليس علم الجينات الذي لم يكن معروفا بعد.

وبعد سلاسل طويلة ومتعاقبة ومتعددة من الدراسات البيولوجية على النبات والحيوان ازدادت الكشوفات العلمية رويدًا رويدا في المعامل الأوروبية خاصة في بريطانيا وألمانيا وفرنسا ومعهم معامل في أمريكا إلى الوصول إلى اكتشاف الكروموسومات داخل نواة الخلية في حشرة الدروسوفيلا علي يد بروفيسور مورجان في امريكا. ثم تم اكتشاف أن الجينات هي الوحدة التركيبية الكروموسومات وأن أنوية خلايا كل الكائنات الحية تحتوي على كروموسومات بعدد محدد لكل كائن حي. ثم جاء الاكتشاف الأكبر وهو التركيب الدقيق للجينات حيث اتضح أن الوحدة التركيبية لكل جين هي النيوكليوتيدات والتي تتكون بدورها من وحدات أصغر كحروف الهجاء وهي القواعد النيتروجينية.

وبعد توفر هذه المعلومات بدأ العلماء محاولة فهم كيفية تحويل الجين إلى بروتين والمواد الكيميائية المشتركة في هذه العملية المعقدة جدا والتي تدور ما بين النواة والسيتوبلازم في مساحة لا تزيد عن خُمس المليمتر الواحد الأمر الذي يمثل إعجاز علمي وتكنولوجي خاصة أنه دائم الحدوث في خلايانا كل فيمتو ثانية. العجيب أن العلماء اكتشفوا أربع ملحوظات عجيبة جدا وهي:


1) أن جميع الخلايا في نفس الكائن الحي تحتوي على نفس عدد الكروموسومات وعدد الجينات.

2) الكروموسومات الموجودة في كل خلية مصدرها نصفه من الأب والنصف الآخر من الأم.

3) أن الخلايا الجنسية يوجد فيها نصف عدد الكروموسومات فقط المميز للذكر أو الأنثى حسب الجنس الموجود فيه الخلايا ولذلك أطلق عليها الخلايا الجنسية.

4) أن الخلايا لا تستخدم كل الجينات الموجودة فيها، بل تستخدم عدد محدد من الجينات المطلوبة لوظيفة هذه الخلية وباقي الجينات لا تعمل فيها رغم أن نفس الجينات تعمل في الخلايا في الأنسجة الأخرى. فمثلا خلية الكبد لا يعمل فيها الجين المسؤول عن تكوين الشعرة والعكس صحيح.


وقد ذكرت لكم هذه الملاحظات الأربعة لأنها تؤدي إلى سؤال فلسفي وهو:


إذا كانت الخلية لا تستخدم كل الجينات الموجودة في الكروموسومات بها فلماذا تُعبأ بكل الكروموسومات وبكل الجينات حتى التي لن تستخدمها؟ بمعني آخر، لماذا لا تحتوي كل خلية على الجينات التي تحتاجها فقط دون غيرها؟

سأترك الإجابة عن هذا السؤال مفتوحة، ولكني سوف أجيب عليه بيولوجيا ولو جزئيا في مقال آخر إن شاء الله. ولكنه مجرد مثال في كيفية طرح الأسئلة العلمية.


خالص تحياتي البيولوجية.

د. محمد لبيب لبيب

أستاذ علم المناعة كلية لعلوم جامعة طنطا

وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر

www.mohamedlabibsalem.com





ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة