الجراحة الجينية أو ما يسمي ب ثورة كريسبر كاس ٩

هناك العديد من الثورات العلمية التي أحدثت تغييراً عظيماً في الحياة البشرية، وهذه الثورات العلمية تعود عادة إلى علماء يعملون بجد للوصول إلى اكتشافات ذات فائدة مثل الاكتشافات التي تحافظ على حياة البشر، وتحميهم من الأمراض؛ ومن الأمثلة على ذلك اكتشاف المطعوم على يد العالم جنر، الذي حقن حياة ملايين البشر وأنقذهم من مرض الجذام عند اكتشاف مطعوم ضد فيروس "smallpox"، وكذلك الحال بالنسبة لاكتشاف الحمض الوراثي الرايبوزي، كما تم التعرف على خريطة الجينوم البشري. إن فضول العلماء لاكتشاف المزيد لم يتوقف عند هذا الحد بل غاص في أصغر ما يكون في أجسام الكائنات الحية، فاكتشفوا عملية دقيقة أدق من عمليات جراحة القلب والأعصاب، ألا وهي الجراحة الجينية، أو ما يعرف ب "Gene editing " باستخدام تقنية "كريسبر كاس٩" والتي تعتبر من أهم التقنيات الحيوية والطبية منذ ٦ سنوات، حيت تمت صناعة هذا الاكتشاف العظيم على يد فريق بحثي يضم عالمتين هما: إيمانويلا شاريتير، وجنيفر دونا. 


ما هو الكريسبر كاس ٩ وقصة نشأته؟

هذه التقنية مبنية من جزيئين أحدهما يدعى الكريسبر " Crisper" وهو اختصار لعدة كلمات هي: Clustered Regulatory Interpred Short Palandromic Repeats  وتعرف التقنية بالمقص الذي يقطع منطقة محددة في الجينوم ليتم تعديلها وذلك من خلال المكون الرئيسي بروتين " Cas9 " والذي يحمل معه جزيء "  sgRNA "  ووظيفته هو دليل طرق Navigation حيث يحدد الموقع الهدف بدقة من بين أكثر من عشرين ألف جين في جسم الإنسان، ويعمل عندها على فتح السلسلة المزدوجة للـ DNA؛ ليقوم بالجراحة التعديلية اللازمة، ويتم إدخال هذا المقص من خلال فيروسات ناقلة تُستخدم في التقنيات الحيوية، وكما هو معروف فإن الفيروس يعشق الالتحام بالخلايا وإفراز ما يحمله من مادة وراثية. كانت بداية القصة المثيرة لكريسبر كاس في الثمانينات؛ حيث لاحظ  فريق من العلماء اليابانيين أن الحمض النووي الخاص لبكتيريا E.coli  يحتوي على سلاسل قصيرة فيها تكرارات عديدة، ومع البحث وُجد أنها عبارة عن مقاطع من مواد وراثية  تخص الفيروسات، واكتشف عندها أن هذه المقاطع هي شكل من أشكال المنظومة الدفاعية داخل البكتيريا ضد الفيروسات؛ حيث تحتفظ بجزء من حامضها النووي لتتعرف عليها إذا اقتحمتها مرة أخرى، وقد أًطلق عليها اسم "السلسلة المجهولة"، ولوحظت لاحقاً ذات السلاسل المتكررة في بكتيريا Archea ، وأطلق عليها عندها Crisper، ومن الطريف أن تقنية كريسبر كاس كانت أساساً في إنتاج الألبان والأجبان وحمايتها من الفيروسات، ولكن الاكتشاف الفعلي التطبيقي لهذه التقنية كان عن طريق العالمتين إيمانويلا شاربتير وجنيفر دونا عام ٢٠١١م. 


 لماذا يعتبر كريسبر كاس اكتشافاً ثورياً؟

استُخدمت العديد من التقنيات في واقع التطورات الطبية العلاجية؛ لإيقاف عمل جين معين له دور في نشوء مرض ما، ولكن ظهرت هناك العديد من المحددات والمضاعفات الجانبية، بالإضافة إلى الوقت والجهد المطلوبين للوصول إلى نتيجة والتي في بعض الأحيان قد تحتاج إلى  شهور، ولكن بفضل اكتشاف الكريسبر كاس ٩ والذي ببرمجته الدقيقة يستطيع الوصول إلى الجين الصحيح، والعمل على تعديله، تزايدت الأبحاث إلى عشرات الآلآف للوصول إلى اكتشاف مهم يعلن نهاية أحد الأمراض المؤرقة للبشرية، والجدير بالذكر أن استخدام هذه التقنية ليس مقتصراً على الإنسان فقط بل تم إلحاقها أيضاً في تحسين الحياة الصناعية والبيئية. اعتلى الكريسبر كاس هرم الاهتمام الطبي العلاجي حيث انصبت البحوث في محاولة علاج العديد من الأمراض خصوصاً  الأمراض الوراثية التي تسببها موروثات جينية متطرفة تنتقل من الآباء إلى الأبناء، وتتركز الجهود على إمكانية تغيير هذه الجينات إلى الحالة الطبيعية كتلك الجينات التي تسبب الأنيميا المنجلية، ومرض هانغتون، والتليف الكيسي، وكذلك الحال بالنسبة للأمراض السرطانية؛ فهناك أبحاث منصبة على الجينات السرطانية كتلك المسببة لسرطان الثدي  والمبيض مثل BRC1 /2.  اتجهت هذه التقنية إلى أبعد من ذلك، وبُنيت عليها أحلام عريضة لحل مشاكل معاصرة بطريقة جذرية، وكذلك بأقل التكاليف، وهذا ينطبق على الأمراض السرطانية، والعمل على تغيير صفات الخلية السرطانية وجعلها حساسة للعلاج وكذلك حثها إلى الدخول في طور الموت.    


 ما هي التطبيقات المستقبلية لهذه التقنية؟


  •  تحسين إنتاجية الغذاء والمحاصيل الزراعية

في مجال الزراعة أصبح همّ العلماء استخدام هذه التقنية في جعل المحاصيل أفضل من ناحية فائدتها الغذائية، وألذ طعماً، وأكثر مقاومة للظروف البيئية المختلفة، وقد نجح علماء أستراليون في تطوير فطر لا يموت، فمن يدري فقد نرى في المستقبل شجرة التين تثمر في الأجواء الباردة، والجدير بالذكر أن هناك العديد من الأبحاث التي تسعى لجعل تقنية كريسبر قادرة على تخليص النباتات من بعض مركبات الحساسية؛ كالفول السوداني، ومقاومة الأمراض الطفيلية والفطرية، كما تُدرس  أيضاً إمكانية إنتاج الحليب واللحوم في الحيوانات مثل البقر والخراف، وجعلها مقاومة للأمراض. 


  • العلاج الجيني

تعتبر الأمراض الوراثية المعقدة مثل التي لا شفاء منها أكثر الأمراض التي يتجه الباحثون لحلها من جذورها الجينية، والآن ومع ظهور ثورة الجراحة الجينية أصبح تحقيق هذا الأمر يقترب من تحقيق الحلم، إلا أن هذا الموضوع لا زال ضمن خلايا المختبر، والوصول بهذه البحوث إلى التجارب السريرية يحتاج إلى المزيد من الوقت، وخصوصاً بعد الفضيحة المدوية التي طالت العالم الصيني جيانكوي الذي استخدم هذه التقنية في أجنة الأطفال، ونتج عنها ولادة طفلتين توأم لأبوين مصابين بالإيدز، ولا يدري العلماء ما هو المصير الذي ينتظر الأطفال لأن العالم جيانكوي لم يعطِ أي ضمانات كافية لمنع الضرر. ما زال الباحثون مصرّين على إيجاد طريقة لمعالجة فيروس الإيدز دون التدخل في الأجنة وذلك من خلال منع فيروس  الإيدز من الالتحام بمستقبلات +CD4 والموجودة على الخلايا المناعية التائية ، ولكن ما زالت التجارب قائمة على الحيوانات المخبرية للوصول إلى نتيجة حسنة دون ظهور مضاعفات مناعية. 


  •   تعديل صفات الكائنات الحية

رغم التطور العلمي ما زالت الدراسات تحاول القضاء على مرض الملاريا نهائياً، ويدرس العلماء كذلك إمكانية تعديل جينات البعوضة المسببة للملاريا؛ بحيث تنتج جنس الذكور فقط، أو عمل تعديل جيني في أنثى البعوض يجعلها مقاومة لطفيل الملاريا، ومع الوقت ستنقرض الحشرة المسببة لهذا المرض، ولكن ما زالت القوانين الأخلاقية للتعامل مع هذا الصنف من التجارب صارمة،ومن الأبحاث المثيرة كذلك تلك التي تدرس إمكانية تعديل الصفات البشرية وإنتاج أطفال أكثر ذكاءً أو مقاومين للأمراض، ولكن ما زال الوصول إلى مثل هذه البحوث أمراً معقداً؛ لأن الصفات ليست مرتبطة في عمل جين واحد، وإنما أحياناً بمنظومة من الجينات التي لها العديد من الوظائف الأخرى. ولم يقف الموضوع إلى هذا الحد بل وصلت أحلام بعض العلماء لإعادة الديناصورات إلى الحياة من جديد، وذلك باستخدام جيناتها وإعادتها إلى الحياة باستخدام أجنة حيوانات أخرى كفرخ الدجاج مثلاً. 


 تقوية فعالية المضادات الحيوية

ومضادات الفيروساتفي الوقت الذي تتصاعد فيه التقارير عن بكتيريا غدت مقاومة للعديد من المضادات الحيوية، والخوف من انتشار أمراض معدية لا يمكن السيطرة عليها، تتجه الدراسات إلى تطوير مضادات حيوية باستخدام تقنية التعديل الجيني، بحيث يكون الدواء موجهاً، ويقتل البكتيريا بدقة، وكذلك الحال بالنسبة للأمراض الفيروسية المختلفة





ألهمتني؟

التعليقات