ولأن النفس أعمق من الجسد فالمشاعر أعمق من الكلمات.


أحاسيسنا ومشاعرنا كالطيف الكهرومغناطيسى؛ منها المرئى الذى يبدو على الوجوه، ومنها المسموع كموجات الراديو. منها الذى نستشعر حرارته كالموجات تحت الحمراء، كذلك منها ما يدمر نسيجنا الحى كأشعة جاما.

هناك الأحاسيس البدائية -وهى أحاسيس غريزية جسدية بحتة - كالجوع والعطش والتعب التى نعبِّر عنها بألسنتنا بكلمات واضحة مباشرة، فأعضاء الجسد المختلفة تتقن لغة بعضها جيدًا.

كذلك هناك الشعور العاطفى الذى نستطيع التعبير عنه أيضًا بكلمات بليغة. معظم مشاعرنا الصادقة تنبع من القلب لتطفو وتسبح على اللسان فى صورة كلمات مخلصة، حاملة مشاعرنا تلك للآخرين، فتكون كلماتنا سفراء حقيقيين لنا. فقد قيل:

الكلام الذي يخرج من القلب يكسب قلوب الأخرين.

جوهان غوته

وقيل أيضًا:

ما يخرج من القلب يصل للقلب


لكن تظل هناك كلمات خادعة تعبر عن مشاعر زائفة. إنها كلمات تملُّق أو مجاملة سطحية لا تمتد جذورها لقلوبنا لكنها كالنبات المزروع على أرض صخرية، فمتى سطعت الشمس بأشعتها الحارقة جف ذلك النبات ويبس إذ ليس له عمق أرض.

أما أعظم الكلمات وأعمقها فهى كلمات الروح غير المنطوقة باللسان والتى تعبِّر عن أعمق المشاعر الروحية. أعنى بكلمات الروح أنها وعىّ الروح وإدراكها وتواصلها مع ذاتها أو مع آخر بوسيلة عميقة داخلية غير منطوقة وغير محصورة بحروف ومعانى كلمات لغة من لغاتنا البشرية المنطوقة والتى لا تستطيع احتواء الانكشافات الداخلية وسطوع البصيرة وسقوط قناع الغشاوة المادى الكثيف. فاللغة البشرية تعجز معانيها عن وصف مشاعر روحك وهى هائمة فى تواصلها مع اللا محدود واللا نهائى. ونجد بعض الثقافات حاولت الاقتراب من وصف هذه المشاعر بكلمات تبدو مبهمة بعض الشىء مثل "نيرفانا" فى الثقافة الهندية، أو "الدَهْش" عند الرهبانية المسيحية، أو "الفناء" عند الصوفيين.

نعم، هناك مشاعر لا تقدر بضع كلمات محددة أن تعبر عنها وتحتويها. مشاعر عميقة أعمق من أن تطفو على شاطئك؛ أقصد لسانك. مشاعر تحصرك عن العالم الواقعى حولك وتنفتح بك على عالم آخر رحب، دافق، فياض، ثرىّ تهيم فيه بكل حرية، حتى أنك متى أردت وصف ما تشعر به تجد الكلمات ضئيلة وعاجزة ومنطفئة، فتصمت.

تصمت ليصون صمتك كينونة مشاعر جبارة داخلك. مشاعر تُحَس ولا تُنطَق؛ وُجدَت لك وحدك لتعيشها بملئها وتتمتع بها لا لتعرضها أمام الآخرين. فأنت مالكها الحصرى، لا استئثارًا أوأنانيةً. فإنك إن وددت مشاركتها مع آخرين لا تجد الكلمات التى تفيها حقها بل تنقص قدرها بشكل لا يرضيك فتؤثر الصمت.


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات جوانا منير شكرى

تدوينات ذات صلة