قصة ناصر صبي القطاع المنكوب ... غزة هي جرح فلسطين الأبدي ...ترى هل تسٱئلتم يوماً بماذا يشعر أهلها ؟ و كيف يقضون أيامهم ؟

كفاح على أرض غزة


في ليله صيفيه من ليالي شهر حزيران في محافظه غزه في فلسطين ولد المولود الاول لعائله السيد يوسف عمتي الفرحه أرجاء البيت ولكل ينتظرونه بفارغ الصبر وأخيرا ولد ، اسماه والده ناصر املاً منه أن يكون لولده يد في نصر فلسطين وتحريرها من أيادي المحتلين..

ناصر أبيض البشره ذو شعر كستنائي جميل وعيناها خضراوان كلون المرج الاخضر، إنه وحيد والديه ومدللهما احبه والده كثيرا وكان هو ايضا يبادله الحب نفسه وربما اكثر .

كبر الفتى وصار في الرابعه من عمره إنه يوم ميلاده سيكون يوما ممتعا فسيخرج مع والديه إلى شاطئ البحر "بحر غزة " للاحتفال بهذه الذكرى كانت رحله ممتعه دون شك وعاد مع والده سعيدا مسرورا.

مرت ثلاثه أشهر من ذلك اليوم استيقظ في اليوم الذي حلت فيه الفاجعة على كل فرد في فلسطين ، اليوم الذي رأى فيه الناس يقفون لأول مرة بهذه الأعداد و كأنما على رؤوسهم الطير كيف لا ؟ وقد مات مات ياسر عرفات هكذا سمع والده يتحدث بالهاتف مع أحد زملائه في العمل يدعى السيد قاسم كثيراً ما سمع والده يُكلم هذا الرجل لكنه لم يكن مهتما به الان فجُلُّ اهتمامه هو معرفه من يكون ياسر عرفات ؟ ولما له كل هذه الأهمية في البلاد ؟ أو لماذا خرجت كل تلك الجموع لتشييع جثمانه؟ أراد سؤال والده لكنه كان قد خرج من المنزل بالفعل وذهب الى أمه يسألها فوجدها تبكي على الأريكة أمام التلفاز و ذلك الخبر قد كتب في شريط الأخبار العاجله الأحمر العريض حزين لرؤيتها على هذه الحال فطالما رآها قوية لا تهزها الريح كالجبال جلس بجوارها سألها سؤال بريئا: لماذا تبكين يا أماه؟! لكنها لكنها لم تجب فحاول تهدأتها فأخذ سربت على ظهرها بيده الصغيرة حتى هدأت فاستغل الفرصة وسألها: من يكون ياسر عرفات يا أمي؟!

تطلعت اليه بعينيها الحمراوين اللاتي انتفختا من البكاء وسألتها باهتمام: من أين سمعت به يا ناصر ؟ أجاب: سمعت أبي يذكره على الهاتف منذ برهة .. أومئت اه بتفهم ومسحت على رأس الصغير وقالت: ياسر عرفات يا بني رئيس فلسطين أنه الٱمر الناهي هنا لقد قضى حياته كلها حتى هذا اليوم من أجل تحرير بلاده كان مثل الأب الذي حمل على كاهله مسؤوليه القضيه الفلسطينيه وهمومها إنه رجل رائع ، لم ولن أرى مثله في حياتي .

كانت عيناها قد اغرورقت بالدموع و هي تتحدث عنه فعرف أن له مكانة كبيرة في قلب كل فلسطيني إلا أنه لم يدرك هذه المكانة إلا عندما بلغ العاشره فلما سمع سيرته وتعميق فيها سُحِر بشخصيته واتخذه قدوه له وقطع على نفسه عهداً بأن يساهم في تحرير بلاده مثله.

***************************

كبر ناصر كثيراً خلال تلك الفتره و صار في الرابعة عشرة من عمره لقد ارتاح أخيرا من أعباء الدراسه فالعطله الصيفيه تقدمت بدات كان متحمساً جدًا لها فوالده وقد وعده أن يقضيها معًا ، لكن فرحته تلك لم تدم فلم يهنأ لأحد أن يشعر بالراحة حتى جاء ذلك اليوم الذي تحولت في حياته لجحيم وخاصة بطلنا..

ففي الثامن من تموز لعام (٢٠١٤) اشتد النزاع بين الطرفين العدوين الغريمين سموهم ما تشاؤون ، لكن من بدأ هذا العداء هم الصهاينة السارقون المحتلون بدأت المعركة غادر والده الليله الماضية لم يعد حتى مساء اليوم التالي فشعر بالخوف عليه ذهب إلى أمه لعله يحصل منها على جواب يشفي قلقه فهي تعرف كل عمل لوالده فأجابت: لقد ذهب والدك ليشارك في الدفاع عن مدينتنا كانت كلماتها قاسية على قلب ناصر إلا أنه تشجع و صبر واحتسب واستودعه الله الذي لا تضيع ودائعه صحيح أنه قلق عليه إلا أنه فرح عندما علم أن والده مجاهد وبطل هذا هو السر الذي لطالما أخفاه عن ابنه..

مكث ينتظره طوال اليوم لم يهدأ له بال أبدا بدت أمه متماسكة في بداية الأمر ، لكن مشاعرها الوجلة غلبتها فعكفت تدعو الله أن يعيد لها زوجها وعماد منزلها سالما...

سهر ناصر و أمه حتى وقت متأخر ينتظران عودته ، لكن النعاس تسلل إليهما فكان أكبر من عناديها فناما على أمل عودته في الصباح .

استيقظ ناصر مبكراً جدًا فلم يهنأ له النوم بسلام الليله الماضيه فقد لاحقته الكوابيس و أبت تركه صلى الفجر و عكف يدعو الله ربه ملجأ الضعفاء والمحتاجين أن يرسل والده إليهما وهو في أحسن حال كانت الساعه قد تجاوزت بقليل حين رنَّ جرس الباب معلنًا وصول ضيف أو زائر أو ربما الغائب المنتظر لما لا فمن يثق بربه مثلهما لن يخيب أجاب ناصر مسرعاً الطارق فقد استقبله خلال ثوان وابتسامه كبيرة تزيين ثغره ، لكنها تبددت كالغباء عند الشروق ، والرمال عند الهبوب فقد ذهبت مع الريح التي لفحت وجهه لدى الباب لم يكن الطارق من ينتظرانه بل كان رجلاً غريباً طويل القامة تبدو عليه علامات التعب أشعث أغبر سلم الغريب على ناصر الذي رد عليه باقتضاب ثم سأله : عفوا يا سيدي ، من تكون؟! أجاب : أنا آسف نسيت أن أعرف بنفسي ، أنا قاسم زميل والدك . فوجئ ناصر فهو لم يتوقع يوم أنه سيقابل السيد قاسم بل أن أفكارا تهمي في عقله أمس أن قاسم مجرد اسم مستعار لشخصيه أكبر خرج من دوامه الأفكار هذه وقال : أهلاً بك يا سيدي ، كيف أخدمك ؟ أجاب : شكراً لك. صمت لبرهة حتى أحس ناصر أن الأمر يتعلق بوالده فانتظر حتى أردف قاسم يقول : أريد أن أحدثك وأمك في أمر مهم تسٱئل في نفسه : ترى ما هو هذا الأمر ؟؟ نظر إلى الرجل الذي لا يزال يقف لدى الباب فتدارك أمره مسرعاً وقال بخجل من تصرفه : تفضل يا سيدي رجاءً ، اعذرني لأني لم ادخلك منذ البداية تعلم لقد صدمت برؤيتك.. استمر بتقديم الأعذار حتى مسح الآخر على رأسه وقال بابتسامه : لا بأس يا بني . لاحظ ناصر ابتسامته الكسيرة و ملامحه الحزينة المتوترة الخائفة تعبيرٌ غريبٌ عليه تسائل في نفسه : ترى كيف اجتمعت كل هذه المشاعر معاً في وجه هذا الرجل؟! أشار له بالجلوس ثم قال : سأُنادي أمي عن اذنك للحظه . وخرج وهو يتساءل : ترى ماذا يريد أن يقول ؟ ما هو هذا الأمر المهم الذي استدعى منه القدوم شخصياً ؟ هل يعقل أنه يتعلق بوالدي؟ لا ، لا يمكن ، لا يجب أن أفكر بهذه الطريقه المتشائمه عليَّ الانتظار أجل الانتظار ريثما اسمع منه فلربما أخطأ ظني أعلم امه بخبر الزائر غير المتوقع فوجئت هي كذلك وقابلته بمئات الاسئله دفعه واحدة لعلها تعلم ماذا يريد؟ لكنها عندما أدركت أن ابنها يجهل سبب هذه الزياره أيضا ً خضعت للأمر الواقع وذهبت مع ولدها رحب بها السيد فور قدومها سألته بعدها : خيراً إن شاء الله ما هو هذا أمر المهم الذي تريد اخبارنا به يا سيد قاسم؟ أطلق الضيف تنهيدة طويلة كأنه يحاول من خلالها إخراج مشاعره المكبوتة ثم قال : أخشى أن يكون الأمر قاسياً عليكما ، ولكن لابد لكما أن تعرفا عاجلاً أو آجلا صمت حاول ناصر تمالك أعصابه من الثوران بصعوبة فقد بدأ يغضب من كل هذه المقدمات " وكأنه يحاول اختبار صبرنا هذا العجوز " همس في نفسه بنزق ثم أردف السيد قاسم : أريد أن أخبرك أن والدك يا ناصر وزوجك يا سيده هناء قد ....... تردد في قولها حتى صاح ناصر به : قد ماذا ياسيد ؟ أتحاول اللعب بأعصابنا ؟ قل و أرحنا ما الذي حصل لأبي ؟ لمعت دمعه قد تعلقت على جفن الآخر حاول امساكها بكبرياء إلا أنها غلبت كبريائه وحطت أجابه بصوت اجهش : لقد انتقل إلى جوار ربه لقد مات ، مات شهيداً يا ناصر حطت كلماته كالصاعقة على رأس ناصر وأمه " كيف مات؟ متى ؟ وأين ؟ كل هذه الأسئلة كانت تدور في رأسه بينما كان يحاول مساعده أمه على التماسك ثم امسك قاسم من ياقته وصرخ : كيف يحدث شيء كهذا ؟ كيف تسمح بحدوثه أساساً ؟ ألم تكن معه ؟ ألم تستطع إنقاذه ها؟ لماذا لم تنقذه؟ لماذا ؟ وأخذ يبكي ، بكى بكى كالأطفال أشار السيد قاسم إلى بعض الرجال فالخارج أن يدخلوا لقد كانوا يحملون أباه ذاك الشهيد الطيب الطاهر الذي ضحىوبحياته وروحي في سبيل الدفاع عن وطنه وتخليصه من تدريس الظالمين ركض ناصر وأمه إليه فور أن أدخلوه ، لكنهما وقفا كالصنمين عندما رأياه وخاصة تلك الابتسامه البريئه التي كانت مرسومه على وجه خرَّ على ركبتيه من هول المنظر واحتضنه عانقه لآخر مرة قبل أن يذهب دون ما عودة ، احتضنه ليس لشيء وإنما ليشبع من رائحة والده التي تشبه رائحة المسك شعر بيد تمسك بكتفه لقد كان السيد قاسم يشير إليه أن هناك أناساً كثيرين يريدون توديع الشهيد عندما التفت إليه رأى العيون تسيل منها الدموع بغزاره سمع صوت الشهقات والٱهات كانوا كثيرين حقاً يعرف بعضهم ويجهل الكثيرين ، ولكنهم اشتركوا بنفس الدموع والحزن والأسى على والده الشهيد ، انتهى حفل الوداع وأزف الرحيل وحان الوقت أشار السيد قاسم للجموع أن تبتعد عن النعش ثم دنى من أذنه وهمس فيها : أزف الرحيل يا صديقي أوصل سلامي للأصحاب والخلان . قال هذه الكلمات و حمل النعش هو وناصر وآخرين من الذين جاءوا معه حملوه إلى الخارج حيث استقبله حشدٌ كبيرٌ كان المشهد كأنه على عرس لا جنازة ذهبوا به إلى المقبره صلى الكثيرون عليه ثقل على قلب ناصر بعدها أن يرى والده وهم يهيلون عليه التراب كان يسأل نفسه كيف له أن يعتاد على غياب هذا الوجه عن المنزل ؟ وأنى له أن يفارق والده وحبيبه ، قرأ الفاتحة و مكث عنده بعض الوقت حدثه شكى له بكى عليه حتى رأى طيفه أمامه و هو يقول : هيا يا بني تشجع أنت رجل المنزل من بعدي اهتم بأمك و بنفسك قبلها بين عينيها نيابة عني.. جفل على يد باردة و ضعت على كتفه التفت وإذا به الحارس قال : هيا يا بني عليك الخروج ساغلق المقبره بعد قليل . أومئ له و عاد إلى المنزل و السعادة تغمره قابل والدته هناك في حالة يرثى لها فاحتضنها وقال : لا تحزني يا أماه فإن موعدنا عند نهر الكوثر سندخل الجنة زمرًا فادعي الله أن نكون مع زمرته ..

************************

كان موته فاجعة حقيقة للعائلة التي لم يعكر صفوها شيء لم يعتد ناصر على غيابه بعد ولم يعتد على أن يناديه الناس من حوله باليتيم كان يريد أن يصرخ بهم ويقول لهم انه ليس يتيماً و أن والده لم يمت وإنما انتقل الى جوار ربه فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون "

إنه الأول من سبتمبر مر شهران على رحيل سند المنزل إنه يومه الأول للعام الدراسي لقد وصل الصف العاشر كم تمنى أن يكون والده هنا لكي يقول له لقد كبرت يا ناصر وعليك بالمثابره والاجتهاد .. حياه الجميع هناك البعض بارك لها والٱخر واساه كلهم من لأن والده ارتقى شهيداً ، ولكنه لم يأبه لأيٍ منهم فاستشهاد والده قد ترك جرحاً لا يداوي في قلبه يكبر ويكبر مع الأيام فأنى لهذه الكلمات أن تشفيه لاحظ اساتذته حاله فحاول التخفيف عنه بإعلان اسمه في الاذاعه على أنه ابن الشهيد البطل السيد يوسف لربما يكون هذا قد خفف عنه للحظات ، لكنه سرعان ما عاد لحاله ...

مضت السنو الدراسية ومعها سنة على موت والده وفي يوم من الأيام كان يجلس مع أمه قال لها : لقد قررت العمل مع السيد منصور في النجاره لعل العمل يخفف عني قليلاً وينسيني ألم فقدان والدي .. ولكنها عارضت وأجابت : هذا لا يمكن يا بني ماذا عن دراستك لو كان والدك هنا لما واقف على هذا بتاتاً..

أجاب : لكنني لم أقل أنني سأترك دراستي سأوازن بين الاثنين و أعدك أنني لن أتقاعص عن دراستب البتة .

وبعد إلحاحٍ كبير وافقت على قراره وبدأ العمل في منجرة السيد منصور كان قد أظهر إبداعاً مهارة في هذه الحرفة فمهارته بالفن اجتمعت مع هذه المهنة وجعلت منه نجاراً موهوباً خلال مدة قصيرة ، ولكن عمله لم يؤثر على دراسته أبداً..

مرت ثلاثة سنوات على دخوله سوق العمل وصار معروفاً عنه أنه أمهر نجارٍ في القطاع المنكوب ، أنهى دراسته الثانوية بتفوق لكنه لم يستطيع إكمال دراسته الجامعية للظروف المعيشيه الصعبهة التي يعيشونها تحت وطأة الحصار...

و في تشرين الثاني لعام (٢٠١٨) قررت قوات الاحتلال أن تستمتع ببعض الدمويه بدأت القصف على غزة بوحشية أسقطت العديد من الضحايا وفرقت العديد من أشلاء الأبرياء هنا وهناك قتلت و هدمت و دمرت دون شفقة أو رحمة ولو كان الأمر بيدها لدخلت ترقص بين الجثث الهامدة كان من بين ما قصف متجر السيد منصور الذي أحالته ركاماً تحت رأس صاحبه وعامله ناصر أخرجوهما كانا لا يزالان على قيد الحياة شفيَّ منصور في وقت قصير فجراحه لم تكن بخطورة جراح أجيره الذي لازم المشفى لشهور ، لم يكن متوقعاً أنه سيعيش لقد فاجئ الأطباء بإرادته و إصراره و حبه للحياه ، كيف لا وهو لم يفي بوعده بعد ؟! عندما كان في العاشرة عهده بأن يدافع عن وطنه و يفديه بدمائه ، ولكن ألمه ولم يعد يطاق وجراحه أبت الاندمال فتوفي على إثرها و ارتقى شهيداً طيباً ...

لحق الولد بوالده وأخيراً حان موعد اللقاء الذي طال انتظاره صحيح أنه رحل ، لكن ذكراه ستبقى خالدة في قلوب من أحبوه إلى الأبد ، أما عن الوعد والعهد ، فمن يدري ؟ ربما أنت عزيزي القارئ من ستفي به و تحققه ....


كفاح على أرض غزة 🇵🇸💛12851191492096082



كفاح على أرض غزة 🇵🇸💛61728584757517190


SHAHED ALI

ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات SHAHED ALI

تدوينات ذات صلة