"علينا أن نشارك وبقوة في انتاج المعرفة وصناعة الفنون والآداب والتكنولوجيا ولا ننتظر أن يصدرها لنا العالم بطريقته"


رغم أن صناعة التكنولوجيا وليس استيرادها هي أكبر علامات تحضر الشعوب، إلا أنها لا تتحقق صدفة ولا في يوم وليلة، من لعامة الناس. وصناعة التكنولوجيا هي نتاج مثلث متساوي الأضلاع، ضلع للتعليم وضلع للعلم وضلع للقانون. ومساحة المثلث الناتجة هي الأخلاق والتي بالطبع تؤدي إلى مجتمع يتمتع بصحة جسدية وعقلية ونفسية سليمة فيكون نتاج ذلك المعرفة والابتكار والتكنولوجيا والتي تمثل الأعمدة الثلاث لأي حضارة منذ عصور الحضارات السالفة وحي الآن.


فقد كان هذا المثلث هو أساس الحضارة المصرية القديمة، والصينية، والهندية القديمة، والفارسية، والبابلية، والاشورية، والرومانية ثم الغربية الحديثة ثم عودة الحضارة الصينية بقوة. وكذلك كانت الأعمدة الثلاث هي المنتج الرئيسي لكل هذه الحضارات وإن اختلفت البصمة النهائية التي تميز كل حضارة عن الأخرى.

فإذا أردنا أن نتنبأ بصعود أي حضارة بازغة لدولة ما أو هبوط حضارة قائمة لدولة ما، فعلينا أن نحسب مساحة هذا المثلث (التعليم والعلم والقانون) وأن نقيس حجم وارتفاع الأعمدة الثلاث (المعرفة والابتكار والتكنولوجيا). وهذه الأعمدة الثلاث لا بد وأن تكون من نتاج المثلث وليس استيراد من مثلث حضارات أخري وإلا حذفت من الحسابات.


وإذا كان الغرض من التعليم هو استخدام مفاهيم المعرفة المتاحة في خلق أجيال جديدة قادرة على إعمال العقل وخلق الفرص لاكتشاف القدرات المتميزة في الفنون بأنواعها، فإن الغرض من العلم هو إنتاج معرفة جديدة ومتجددة تؤدي إلى تصحيح مفاهيم قديمة أو الوصول إلى مفاهيم جديدة. ولذلك فإن النتاج الرئيسي للتعليم في المدارس والعلم في المؤسسات البحثية هو المعرفة لكل المجتمع سواء المتعلم منه والغير متعلم. وكلما قل عدد الأميين وزاد عدد العلميين كلما اتسعت مساحة المعرفة المبنية على إعمال العقل وازداد تحضر الشعوب زيادة مطردة أفقية ورأسية. ويأتي القانون كالحارس الأمين الذي يحمي المعرفة في كل مراحلها حتى يتحلى المجتمع بالأخلاق والنظام وتسود أسباب العدالة والإبداع.

ولذلك فعلي الدول التي تسعي للحضارة أو تلك التي تتمتع بحضارة قائمة أن تقيم مثلث التعليم والعلم والقانون لديها كل ثلاث سنوات، وأن تقيم أعمدة المعرفة والابتكار والتكنولوجيا لديها كل عام، وأن تقارن تلك القيم بالدول الأخرى حتى تكون علي دراية بموقفها من العالم المحيط. بل على هذه الدول أن تعلن أمام المجتمع نتائج هذا التقييم بشفافية بلا مزايدة أو نقصان حتى تستطيع أن تعدل من خريطة طريق انتاج المعرفة والابتكار والتكنولوجيا من وقت لآخر.


ومع أن هناك العديد من المقاييس والمعايير الدولية التي تقيس سنويًا أضلاع المثلث ومساحته وطول وعرض الأعمدة الثلاث، إلا أني أري أن تقوم كل دولة بالإضافة إلى هذه المقاييس (مقاييس دولية) بتصميم المقياس الخاص بها (مقياس محلي) والذي تستطيع به أن تحلل ما لديها من مميزات ونواقص تعتمد على البيئة الداخلية للمجتمع ذاته.

ولأن طريق الوصول إلى بناء الأعمدة الثلاث (المعرفة والابتكار والتكنولوجيا) طويل وشاق ومليء بالصعاب، فعلي كل دولة أن ترسم خريطة طريق واضحة المعالم بناء على عوامل البيئة الداخلية الخاصة بها من مميزات وعيوب، وأن تحدد البصمة التكنولوجية النهائية التي تتناسب مع تلك المميزات الداخلية حتى تستطيع ليس فقط التعايش، ولكن أيضا التنافس بقوة. وليس من الضرورة أن تتعدد البصمات، بل من الممكن ان تكون بصمة واحدة مثل صناعة السيارات أو صناعة الأدوات الإلكترونية، أو صناعة العطور وغيرها من البصمات.


وأري ضرورة عرض هذه الخريطة على الطلاب في مراحل التعليم المختلفة، وفي الجامعات والمؤسسات البحثية، وفي جميع مؤسسات الدولة بما فيها القطاع الخاص سواء على مستوي الأفراد أو المؤسسات. لا بد وأن يكون الجميع، ليس فقط علي علم بخريطة الطريق، ولكن أيضا علي علم بدوره في هذه الخريطة، دورا ملزما وليس اختياريا.


وبالطبع تمتلك دول لديها كل مقومات الحضارة سواء على مستوي الطاقات البشرية أو البنية التحتية، ولكنهـا تحتاج إلى خريطة طريق مؤسسية مجتمعية واضحة المعالم ومحددة الزمن لكي تستطيع أن تحول كل هذه الطاقات إلى بصمة حضارية محددة في وقت محدد مهما كانت الصعاب. وبدون خريطة طريق تصبح المقومات عبئا على الدول الأمر الذي قد يؤدي إلى تمزقها وتخلفها.


وعلينا أن نتذكر دائما أن الشعوب التي تصنع الحضارة العلمية والتكنولوجية تصبح شعوب متحضرة بطريقة تلقائية سلسة. بل أن الشعوب التي تحقق الحضارة وتستمع بها تصبح غير مستعدة على الإطلاق عن التنازل أو التفريط في السمات الحضارية التي اكتسبتها في المعاملات الانسانية والنظافة، والنظام، والصحة العامة، والخاصة. وحينئذ يبدو المجتمع وكأنه مجتمع خُلق متحضرا رغم أن تاريخه قبل التحضر قد يكون همجيا ومؤسفا.


وعلينا أن نتذكر أيضا أن الدول المتحضرة الصانعة للتكنولوجيا هي التي تسود وتتحكم في العلم، والمعرفة، والأخلاق، والفنون. فعندما تصبح كل أدوات التكنولوجيا في يد فرد أو جماعة أو دول، تصبح قادرة على تطويع هذه الأدوات كيفما وأينما تشاء لصالحها في المقام الأول أو لصالح أصدقائها وعقاب أعدائها في المقام الثاني.


ومهما تطور وتحضر العالم، سيبقي مثلث التعليم والعلم والقانون هو الأساس لكل بيوت الحضارة، وستبقي أعمدة المعرفة والابتكار والتكنولوجيا هي سقف هذه البيوت. فعلينا أن نهتم بأساس وأعمدة بيوتنا ومراقبة أسقفها من المعرفة والهواء الذي نتنفسه فيها من أخلاق حميدة، وكذلك الهواء الذي نتنفسه خارجها من آداب وفنون وسلوك.

علينا أن نشارك وبقوة في انتاج المعرفة وصناعة الفنون والآداب والتكنولوجيا ولا ننتظر أن يصدرها لنا العالم بطريقته. وإني أتوقع والله أعلم أننا سوف نحاسب يوم القيامة ليس فقط على ذنوبنا وتقصيرنا في عبادة الله، ولكن أيضا على تقصيرنا في انتاج المعرفة وصناعة التكنولوجيا وإنتاج آداب وفنون راقية.


إنما الأمم الفنون والآداب والابتكارات ما بقيت

فإن هم ذهبت معارفهم وآدابهم وفنونهم ذهبوا


مع خالص تحياتي

ا.د. محمد لبيب سالم

أستاذ علم المناعة كلية العلوم جامعة طنطا

مقرر مجلس بحوث الثقافة والمعرفة

أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا

كاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر

www.mohamedlabibsalem.com




ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

معالى البروفيسور واخى الكريم محمد بيك لبيب خالص شكرى وتقديرى لكتابة هذا الموضوع الهام وارى انه لابد ان يكون عنوان سلسلة من الحلقات التى تغوص باعماق هذا المثلث بطريقتكم المبسطة الجميلة وان تحدد بها استراتجيات مقترحة لتحقيق هذا الحلم المصرى الذى طال تواجده معنا فى المنام ونود ان نراه وندركه فى اليقظة ايضا لاننا هرمنا داخل هذا الحلم لمصرنا الحبيبة واعانكم الله

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة