"الثقافة والمعرفة هي الخلايا الجذعية التي تخلق بيئة مبدعة تتقن العمل والتواصل السوي"


لم يخلو شعب من الشعوب على مدار التاريخ القديم والحديث من الجد والهزل، ولكن بنسب متفاوتة. ويقاس تقدم ورقي الدول بنسبة تمكين الجد إلي ظهور الهزل بين عامة الشعب على وجه العموم وبين النخب من أهل الثقافة والمعرفة والآداب والفنون على وجه الخصوص.

 

وبالطبع كلما زاد مستوي الجدية وتمكنها من فكر ووجدان الشعب، كلما كانت الدولة أكثر تحضرا ورقيا وانتاجا للمعرفة والتكنولوجيا. وإذا مالت هذه النسبة لصالح الهزل والسطحية والتقليد واللامبالاة (الفهلوي)، أصبح الشعب ضعيفا وهشا وغاب عنه الإتقان والإبداع. وكلما انتقل سلوك الهزل من الجلسات الخاصة إلى العامة، أصبح المجتمع مرضيا وفي حاجة إلى علاج قوي وفوري لوقف هذا الهزل واستئصاله من جذور المجتمع.

 

وفي عصر التكنولوجيا هناك ثلاث أنواع من الشعوب. شعوب منتجة للتكنولوجيا، وهي شعوب جادة جعلت دولها تتحكم في الدول الأخرى سواء في نوع المعرفة والفنون وأسرار التكنولوجيا. وخير مثال علي تلك الدول امريكا واليابان. وشعوب مقلدة للتكنولوجيا وهي شعوب واعية وتسعي بجدية لأن تكون شعوب منتجة للتكنولوجيا. وخير مثال علي هذه الدول التي تطورت بالفعل الصين. أما الصنف الثالث من الشعوب فهو الشعب التي ليست بمنتج ولا مُطورة للتكنولوجيا ولكنها مستخدمة لها بامتياز. وهذا النوع الأخير من الشعوب نفسها نوعان، نوع قد يكون لدي دولته خطة طموحة للتحول الي مرحلة مستقبلية من تقليد التكنولوجيا ثم تطويرها وانتاجها، أو نوع استسلم تماما لإدمان التكنولوجيا ولا يفكر في أن يبرح مربع الاستخدام والإدمان.

 

وبالطبع الشعوب التي تدمن التكنولوجيا ولا تصنعها ولا تطورها تصبح عالة وتابعة معرفيا وثقافيا وعلميا وتكنولوجيا على الشعوب الدول الأخرى. فهي تستخدم وتستهلك ما تقدمه لها الشعوب الأخرى من تكنولوجيا في الوقت التي تراه مناسبا لها والكيفية المناسبة مع نية استخدام التكنولوجيا في حشو أدمغة وقلوب شعوب الدول التابعة بالأفكار والثقافة التي نريدها طبقا للأجندة التي تراها دولها. وبالطبع يمثل الاعتماد علي تكنولوجيا الآخر نوع من الاحتلال التكنولوجي والثقافي الذي يتم رويدا رويدا دون اطلاق رصاصة واحدة أو انفاق جنيها واحدا من الدول المنتجة للتكنولوجيا للدول التابعة تكنولوجيا لها، حتي يصبح هذا الاحتلال التكنولوجي طريقا للكسب السريع والمضمون. 

 

ويزداد الطين بِلة عندما يكون الشعب المستهلك للتكنولوجيا فقير ثقافيا وعلميا ومعرفيا. ويزداد المنحني أكثر سوءا عندما يصبح التعليم فيه، خاصة لدي الصغار، مشوها وبلا هوية وبلا منهجية. تعليم فوضوي يركز علي الكم ولو غاب المضمون، ويركز علي النجاح ولو استنفذ طاقته كلها ضد التيار. تعليم خالي من الثقافة والمعرفة والتفكير الابداعي وترسيخ الأصول والتقاليد والهوية والطموح. تعليم يعتمد علي تخيل الفضاء وحمل المعلومة علي الأكتاف دون وعي، ولا يدعو إلي الانطلاق بالمعلومة نفسها إلي الفضاء.

 

التعليم قبل الجامعي والجامعي هو المكان الخصب لتمكين وانتشار الثقافة والمعرفة والآداب والفنون في شتي الفروع. وما زال العامل المشترك بين الدول التكنولوجية المتحضرة هو الحرص على الثقافة والمعرفة في مراحل التعليم ما قبل الجامعي، والتركيز على حقول التكنولوجيا المختلفة بدء من التعليم الجامعي مرورا بـالدراسات العليا. فما زالت تحرص هذه الدول كل الحرص على نوعية المقررات ومن يدرسون المقررات وعلى البنايات وعلى الأخلاق والسلوك والتحضر داخل وخارج المقررات والبنايات. وهذا هو السر الأكبر في نجاح تلك الشعوب الذي يكمن في نجاح التعليم قبل الجامعي في ترسيخ الهوية الاجتماعية للشخصية قبل الهوية العلمية. فبدون شك الهوية التربوية تأتي قبل الهوية العلمة والتكنولوجية.

 

أنا، والكثيرون غيري، نري وبكل وضوح أن أمر التعليم وخاصة التعليم قبل الجامعي جَد خطير، فهو يحتاج إلى وقفة عاجلة بل هدنة لأخذ الأنفاس وتقييم الذات وجلدها لو تطلب الأمر. وأفضل ما يمكن فعله على ما أعتقد هو العودة إلى المحطات التاريخية التي نجح فيها ي التعليم قبل الجامعي في مصر، حتى لو تطلب الأمر العودة إلى نظام التعليم أثناء فترة أجيال الخمسينات حتي السبعينيات. فنحن لا نحتاج أن نربي عباقرة وفلاسفة وعلماء في مرحلة التعليم القبل جامعي، لأنه لن يحدث أبدًا. ونحن لا نحتاج إلي كم هائل من المعلومات في العلوم والرياضيات واللغة. ونحن لا نحتاج إلى تطبيق التكنولوجيا في الفصول وانشغال الطالب والأستاذ بها عن تربية القيم والتقاليد والهوية والأصول والأخلاق. ولكن ما نحتاجه نحن بالفعل والآن قبل الغد هو عودة التلميذ والأستاذ والأسرة والمجتمع إلى التربية قبل التعليم. فإن مالت التربية سقط جدار التعليم مهما علا في البنيان. 

 

الثقافة والمعرفة أمن قومي لا بد من العودة إليهما، وترسيخهما وتمكينهما في المجتمع، ولا بد من دعم النخب واظهارهم كقدوة في المجتمع بل ليكونوا نجوم المجتمع. ان انتشار الثقافة العلمية والمعرفة بين عامة الشعب هي القوي الناعمة التي تستطيع أن تحافظ على هوية الشعوب واصالتها واخلاقها الحميدة. الثقافة والمعرفة هي السر الكبير الذي يجعل من الشعوب مصانع لإنتاج التكنولوجية الهادفة بعيدا عن الافراط في الاستخدام السيء للتكنولوجيا، الأمر الذي يظهر مستخدميها كالبلهاء ولو ظنوا أنهم عقلاء، وينعكس سلبا على بناء وتطوير المجتمع.

 

الثقافة والمعرفة هي الخلايا الجذعية التي تخلق بيئة مبدعة تتقن العمل والتواصل السوي، هي البيئة القادرة على الاستخدام العاقل للتكنولوجيا في العلم والرياضة والفنون. بيئة طاردة لتسطيح الفكر. بيئة لا تعتمد فقط على الدعاء في تحقيق الأمنيات ولكن على العمل قبل الدعاء وعلى السعي والكفاح في تحقيق الأحلام. فيا ليت تكون هناك وقفة وفي الحال.

 

مع خالص أمنياتي بمجتمع صحي ثقافيا ومعرفيا وأدبيا وعلميا.

 

د. محمد لبيب سالم 



إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة