السعيد حقا من نال مغفرة الله بصيام أو قيام رمضان وليلة القدر إيماناً واحتسبًا وصلي الصلوات الخمس وغير ذلك من أسباب المغفرة.

السعيد حقًا لا يحتاج أن يقال له أو يحدث نفسه بأنه سعيد. .

من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية وليوقن أنها سبيل السعادة وطريقه فلا يحيد العبد عنه أبدًا مهما تعدد البلاء وتقلبت الأحوال بين سراء وضرا.


والعبودية تكون لله ومحلها القلب و تكون في الحب و الخضوع والتذلل وها ركنا العبودية وصماما أعمال القلوب والتعبد يكون بصرف مشاعر القلب لله ويدخل في ذلك جميع صفات النفس ومشاعرها ولا بد للإنسان أن يخضع ويتذلل لشيء فإن كان تذلُّله لله رفعة وان كان لغيره كللأسباب والمخلوقات وذلك تذلل لا يرفع صاحبه بل هو ذل وانحطاط فالمخلوقات لا تنفع نفسها لتنفعنا .


والعبودية لغير الله تكون مختلة وساكنة في القلب بقدر ما يتعلق قلبه بالمخلوقين وطمعه من ناحيتهم تكون عبوديته لهم وإن كان في ظاهر عباداته الشعائرية الجوارحية أو المالية والتي هي ظاهر العبودية يعبد الله و لا يعتقد فيهم النفع ولا الضر ولكن أفعال جوارحة (عباداته) وقول لسانه تخالف أقوال وعمل قلبه وإعتقاداتة المتعلقة بغيره من مال وجاه وسلطة و مخلوقين وينبغي أجتماع قول اللسان و أعمال الجوارح والقلب لتمام الايمان قال الحسن:(ليس الايمان بالتحلي ولا بالتمني ولاكن ما وقر في القلب وصدقه العمل)...


وقال فريق من العلماء أن أعمال القلوب هي( العبودية) وأعمال الجوارح هي( العبادات) فالعبرة في إجتماع عمل الجوارح وقول اللسان و عمل وقول القلب لا في القول بالسان وحده أوالقلب وحده ولا في عمل الجوارح وحدها أو القلب وحدة ولا تكون عبوديَّتُه خالصة لله إلا في إجتماعها فإن كانت أفعاله في الظاهر في ما يرضي الله و إعتقاده وقول قلبه لغير الله لم تكن عبوديه لله فالعبودية الحقيقة هي عبودية القلب فما استراق القلب واستعبده فهو عبده كذلك إذا كان العكس فلابد من إجتماع المحاور الثلاثة لتمام العبودية لله وليكون إيمانه صحيحًا خالص لله وهي قول اللسان و عمل القلب وعمل الجوارح والأركان فلا بد إجتماعها.

والمقصود بعمل القلب ما يبطنه من أعمال معنوية كالحب والرجاء والظن وغير ذلك من أعمال القلوب وهي أعمالٌ باطنة لا يعلمها أحد غير صاحبها إلا الله تعالى ورغم أنها باطنه إلا أنها قد تظهر على الجوارح ولا يمكن لأحد أي يعمل بجوارحه بعكس ما يبطن بشكل كامل فلا بد أن يظهر على وجهه أو تصرفاته وفلتات لسانه وأعماله الظاهرة شيءٌ مما يبطن وقد قال تعالى مخبرًا عن المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون فقال

موبِّخًا لهم { أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن یُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَـٰنَهُمۡ } سُورَةُ مُحَمَّدٍ: ٢٩.

وقال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم :{ وَلَوۡ نَشَاۤءُ لَأَرَیۡنَـٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِیمَـٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِی لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ أَعۡمَـٰلَكُمۡ } مُحَمَّدٍ: ٣٠.

ولم يفعل سترا من سبحانه على عبادة .


قال ابن تيمية رحمه الله:(من خضع لإنسان مع بعضه له لا يكون عابدًا له ولو أحب شيء ولم يخضع له لم يكن له عابدًا )...

أي لا يكون عابدًا لله حتى يكون له خاصعًا محبًا في ذات الوقت .

لذا فالينظر ويفتش احدنا لمن هو الطمع الموجود في قلبه ورجائه وإلتفاته المتجذر فيه والاستسلام المتعمق فيه.


والسعادة تكون في حل المشاكل واللذة بالنمو والتطور والألم والقلق والخوف والحزن الذي تسببه المشكلات والمصائب لا تكون دائمًا حالات غير مفيدة وغير مرغوب بها بل لابد منها ليصير الإنسان أكثر صبرًا وحلمًا على الأخرين وعلى المشاكل التي يمر بها في حياته ويتعلم التغافل عن التوافه من الأمور التي لا تفيد في الدين والآخرة ولا في الدنيا ويهتم فقط في ما يفيده من مصالح الآخرة من أمور الدين ثم مصالح الدنيا وتقوي بصيرته وتنضبط مشاعره وإنفعالاتة ويقوى تحكمه بها كما تفعل الآلام الجسدية بالعضلات والعظام وبالتالي سعادة أكبر...


وتكون السعادة أيضا بحل المشكلات وعدم تركها تتفاقم وتقبلها والرضا بأن المشاكل لا بد منها والتعامل معها بعقلانية واليقين بأن الحياة لا تخلو من المشاكل ويمكن تجنبها ولا يوجد حياة خالية من المشاكل إلا في الجنه ولا في تحقيق أهداف محدودة فبعد الوصول إلى هدف لا يعود هناك داع للسعي من أجله وإنما السعي وراء هدف تلو الآخر دون توقف حتى أخر لحظة والمسلم لا يعرف الراحة في حياته فهو في سعي دائم لإعمار دنياه وإصلاحها فتصلح آخرته وذلك بالأعمال الصالحة وفعل ما يرضي ربه وإجتناب ما يصخطه قال تعالى{ فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ (٧) وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب (٨) } الشَّرۡحِ: ،٧-٨....


و عندما تحل مشكلة فأنت تأتي بمشاكل أخرى تحل محلها ولا يمكن تجنب ذلك.

وما الفائدة من الحياة الدنيا والتى هي دار إمتحان إن كانت بلا مشاكل فإن كانت كذلك فلن يكون لها أهمية ولامعنىً ولن تكون إختبار للعباد فمثلاً الغني بغناه يواجه المشاكل بسبب المال فالمال الكثير هم وهو اختبار له أينفق أم يكنز والفقير يواجه المشاكل من فقر وقلة مال وعدم توفر قوت يومه وهو إبتلاء أيصبر أم يشكو ويسخط وكلا النوعين إبتلاه الله بما علمه بسابق علمه مصلحة راجحة له فالغني علم أن الغنى يصلحه فأغناه والعكس مع الفقير وكذلك أن الحياة لا يمكن أن تكون صالحة للحياة إن هناك أغنياء أو فقراء فقط....

والبلاء يبتلي به الله عباده المؤمنين ليعودوا وينيبوا إليه ويكفر عنهم سيئاتهم إذا كانوا مقصرين وليثبتهم ويرفع درجاتهم إذا محسنين

كذلك لألاينسى أن الذي أنعم عليه بالنعم قادر على يقتر عليه بها ويزيلها فحمده في كل حال ويتذكر الموت وأن الدنيا زائة وسريعة الانقضاء

فالإنسان من طبعه النسيان وحتاج أن يذكر قال إبن القيم رحمه الله ولولا محن الدنيا لأصاب العبد من العجب والكبر وقسوت القلب ما الله به عليم والتي تكون سبب هلاكه عاجلًا و آجلاً

ومن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدوء وحفظًا لصحة عبوديته وإستفراغها للمواد الفاسدة والردئية والمهلكة منه فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائة....


كما قيل :

قد يُنعِمُ اللهُ بالبَلوى وإن عَظُمُتْ

وَيَبْتَلي اللهُ بعضَ الَقْوِم بالنَعِم


فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والإبتالاء، لطَغوا، وبَغْوا، وعَتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرًا

سقاه دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرُغ به من الأدواء المهلكة، حتَّى إذا هذَّبه ونقَّاه وصفَّاه، أهَّل لأشرف مراتب الدنيا، وهى عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة، وهي رؤيته

وقربه.


وحل المشاكل الحالية لا يعني نهاية المشاكل فالمشاكل ستأتي ولا شك في ذلك ولا ريب ولا يمكن تجنبها والحياة لا يمكن أن تكون مفروشة بالورود دائما فكما قيل يوم لك ويوم عليك قال تعالى:{ وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَاۤءَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِینَ }الآية. آل عمران:١٤٠.

لذلك ينبغي أن نضحى بالراحة والوقت لكسب القوت والتعفف مما في أيدي الناس ودفع المال لشراء أساسيات حياتنا وفعل أشياء مقابل التخلي عن أشياء أخرى والإنسان بطبعه يخطىء قال النبي صلى الله عليه وسلم:( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)...

وخطأ الإنسان سبب للمشاكل وليس الوحيد وطبيعة الحياة أنها لا تخلوا من المشاكل والإبتلاءات فالله سبحانه وتعالى خلقها للبلاء واختبار العباد حتى يعلم الذي يصبر ويرضى ويمتثل لأمر الله ورسوله ومن لا يصبر ويسخط ولا يمتثل إلى أمر الله ورسوله ويعلم الصادق من الكاذب ويعلم من يعبد الله فيجاهد ويصلي ويصوم وينفق وغير ذلك مرضاتًا الله وإبتغاء ما عنده ومن يعبده ويعمل الفرائض و القربات رياء الناس واللسمعة ومن يعبد الله فإن أصابه الخير إطمأن به وإن أصحابه ضراء ترك العباده قال {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} ... الحج :١١.

لأنه ظن بلله ظن السوء فظن أن الله لم يمنعه ليعطيه وأنه إبتلاه لهوانه عليه وأنه لن ينصره في الدنيا والآخرة قال تعالى:{ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}...


ولا يرضى ولا يكتفي الإنسان فإنه مهما يحصل له من خير لن يرضى ولن يكتفي ، ولن يحصل الإنسان على السعادة الدائمة و ينبغي عدم الركون إلى رأي النفس والاحساس فالإحساس يخطء ويصيب وهو لا يعني الحقيقة دائما فيما تحسه الآن صواباً ققد لا يكون كذلك غدًا وما ترضاه ويقتنع به اليوم قد لا يرضاه غداً وما يسعده أو يحزنه اليوم قد لا يكون كذلك غدًا فالإنسان يبحث عن المزيد ولا يكتفي لذلك يجب أن يكون ذلك في ما ينفع فمثلا لا يكفي من القراءة والكتابة والعلم والمعرفة والثقافة وغير ذلك مما ينفع......


ومشاورة الناس بدلاً من ذلك فإنَّ الإنسان عندما يشاور الناس فإن نسبة خطئه تقل ويأخذ بالأسباب ما إستطاع ويتوكل بعد ذلك ومن يتوكل على الله فهو الغالب والناجح قال تعالى على لسان رجلين مؤنين من قوم موسى :{ٱدۡخُلُوا۟ عَلَیۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَـٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤا۟ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ } المَائـِدَةِ:٢٣.


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات محمد عبد السلام إبداح

تدوينات ذات صلة