هناك رجل لا يمكنه قول لا. هناك رجل لا يفكر لنفسه. هناك رجل لا وجود له.




الفصل الأول


المكان: مستشفى بارد مزدحم

الزمان: اليوم الأول


مولود جديد يخرج رأسه... ينظر حوله... يبكي ويصرخ... فلا يفهمه أحد...


دكتور في عجلة من أمره... يعاين المولود لبضعة دقائق وبشكل روتيني ثم يتركه للممرضة...


ممرضة في عجلة من أمرها... تعاين المولود لبضعة دقائق وبشكل روتيني ثم تتركه لتعاين مولودا آخر في الغرفة المجاورة...


الأم... نائمة مرهقة...


الأب... يعاين فاتورة المستشفى...


المولود يبكي ويبكي إلى أن ييأس... فينام...



الفصل الثاني


المكان: مدرسة باردة مزدحمة بالأطفال

الزمان: السنة السادسة


طفل صغير يقف مترددا خجولا حائرا بين والديه أمام باب المدرسة...


الأب في فخر: هيا يا ولد... هذا يومك الأول في المدرسة... أنت اليوم لم تعد طفلا صغيرا... أنت اليوم فخر العائلة كلها...

الطفل: لا أريد الذهاب إلى المدرسة...

الأب في حنق: ماذا تريد الجيران أن يقولوا عنا؟ ابننا حمار؟

الطفل ناظرا حوله إلى المكان المزدحم الذي لم يرى مثله من قبل: لست حمارا... أنا فقط خائف من هذا المكان...

الأب: خائف؟؟ ابني جبان؟

الأم في حنان مصطنع: لا ليس جبانا... ابني رجل لا يخاف شيئا غير الله سبحانه وتعالى...

الأب: هيا إذن... اذهب قبل أن يغلقوا الباب...


يدخل الطفل ساحة المدرسة ببطء ويختفي بين الأطفال...


تنظر الأم إلى الأب... تبتسم... فيفتل شاربه ويبادلها الابتسامة...




الفصل الثالث


المكان: قاعة باردة بمعهد

الزمان: السنة الخامسة عشرة


أستاذ تعليم ثانوي يلقي درسا في مادة دينية... تحين منه نظرة سريعة إلى ساعة يده بين الفينة والأخرى...

يفكر الأستاذ في زوجته التي وعدته بطبخ أكلته الشهية للإفطار... شرائح الدجاج المقلي... والإفطار بعد نصف ساعة... وهذه الحصة تنتهي بعد ربع ساعة...

ينظر إلى ساعته اليدوية مرة أخرى وهو يقول في نفسه: "علي أن أحاول إتمام هذا الدرس خلال العشر دقائق القادمة حتى أصل إلى البيت في الموعد وأعود دون أن أتأخر على الحصة القادمة...


يقطع حبل أفكاره مراهق يسأله سوالا ما لم يسمعه كله... سوال من تلك الأسئلة الفلسفية التي لا فائدة منها والتي يتسائلها الكثير من هولاء المراهقين المزعجين... هو تعود عليها... وأصبح بإمكانه الإجابة عنها قبل سماعها...


يصرخ الأستاذ قبل أن يكمل التلميذ سواله: لا تفكر... من أنت وماذا تعرف حتى تفكر؟ لقد فكر لك من قبلك وأعدوا لك كل ما يلزمك للنجاح في الدنيا والآخرة... فقط انتبه جيدا إلى ما يقوله لك الأساتذة أمثالي... نحن هنا لنومن لك حياتك... وكما قال الشاعر العظيم: العلم نور... وكما قال الشاعر الآخر الأعظم: قف للمعلم وفه تبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولا...


يقف التلميذ تبجيلا للمعلم... يكمل المعلم جملته على الصبورة ثم ينظر نظرة أخيرا إلى ساعة يده ويهرول قائلا: احفظوا الصفحتين رقم 121 و 122... احفظوهما حرفيا فالامتحان سيكون عنهما... ركزوا على التواريخ وأماكن النقاط والفواصل... وحذار... حذار أن يتفلسف أحدكم... وويل لمن يرسب هذه السنة... مصيره أن يصبح زبالا... أما أنا فيجب أن أغادر الفصل الآن لصلاة العصر...


يغادر الفصل سعيدا متغنيا بالدجاج المقلي في ذهنه تحت أبصار تلامذته والتلميذ الذي لا يزال يقف تبجيلا...


(يتبع...)


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات كريم مختار

تدوينات ذات صلة