عليك أن تحذر .. المؤثرون يجعلونك بائسا وتعيسا عن قصد

ما يُسمى بال"المؤثرون" يحاولون إظهار حياتهم "المثالية" دائما عن قصد، فلا تصدق فتات كلماتهم وخطاباتهم الدرامية، بأنك صديقهم، وأنهم يهتمون لأجلك، جميعهم يريدون التباهي بما يملكون وكيف يعيشون.

حياتهم لا تشبه الإنسان الطبيعي الذي يصارع المسؤوليات اليومية أو هكذا يروجون، حياتهم قائمة على ماديات وآخر صيحات الموضة، التبذير على هذا وذاك، والتباهي بالحقيبة المصنوعة من جلد حيوان مسكين.

يسافرون ويجوبون العالم، ويحصلون على أموال طائلة مقابل الاستمتاع بوقتهم، هذا ما يُروج له تماما في عصرنا الحالي.

"المؤثرون" سواء كانوا من مدونين أو من يسمون أنفسهم بخبراء التجميل، أو من المغنيين والممثلين العالميين وغير العالميين.

يمطرونك ليل نهار بمحتواهم، ماذا يأكلون، وأين يذهبون، وما هي أفضل منتجات التجميل، وما أجمل قطعة ملابس حصلوا عليها مؤخرا، ويوثقون لك حياتهم الشخصية، بأفضل حبيب لديهم، وأفضل أصدقاء لديهم ناهيك عن سياراتهم الفارهة واختيارهم لدرجة الأعمال فقط في سفراتهم، أو طائراتهم الخاصة.

هم موجودون في كل مكان، وخاصة على تلك المنصات التي يسهل استخدامها وقائمة فقط على الفيديوهات القصيرة والصور، انستغرام، تيك توك، أو يوتيوب.

يتابعهم الملايين ومقابل ذلك يحصلون على الكثير من الأموال.

وبات هذا حلم الكثير من الأطفال والمراهقين، أن تحصل على المال مقابل أن تمرح في الحياة.

إنها حياة مثالية، أليس كذلك؟

وأن تحصل على الكثير من السفر والملابس والطعام والدعوات المجانية، يبدو أنه بات حلم الجميع اليوم.

حتى أن في آخر الدراسات والاستبيانات التي تُعد، حين يُسأل الأطفال والمراهقين ماذا تريدون أن تصبحوا في المستقبل، فالإجابة ما عادت تلك النموذجية حين كنا أطفال "طبيب، معلمة، طيّار"

بل أصبحت "يوتيوبر، مؤثر" ..

وفي طريقة أو أخرى .. هذا مقصود دائما..! 

أن يتم التلاعب بك، وأن تشعر بالخزي والكره من مظهرك وحياتك وأريكتك وملابسك، وظيفتهم تتمحور حول أن تسأل نفسك دائما، كيف من الممكن أن أكون مثل أولئك، فتبدأ أنت الذي تملك وظيفة عادية بدخل عادي، أو لا تملك وظيفة أساسا، بشراء ما يشترون، ومحاولة أكل ما يأكلون، وارتداء ما يرتدون، وتحاول السفر إلى ذات الأماكن التي يسافرون عإليها، لعلك تصبح مثلهم، وتستطيع أن تتماهى مع حياتهم.


حتى حين تكون مدركا لكل تلك الأمور، يتم التلاعب بك حتى لو لدقائق معدودة، فستتأثر بكل هذا الكم الهائل من المحتوى السام القائم على قيم الشجع والتباهي والرياء والنفاق والكذب والمظاهر والمقارانات.

إن هذا النظام الجديد، يريد قصدا أن يشعرك بعدم أهميتك، ويمطرك بكل ما هو سام تماما.

ليجعل منك سلعة تشتري سلعا لا تحتاجها. 

تشعر لوهلة أن الجميع سعيد بعلاقات مثالية وشكل مثالي ويستمتعون بيومهم دائما، وليس لديهم مشاكلك ولا عقد نقصك ولا اكتئابك أو حزنك أو روتينك اليومي القاتل. 

كأنهم يريدون تذكيرك يوميا بأنهم يستمتعون بيومهم بينما أنت تجلس في غرفتك تطالع منصات التواصل بشكل بائس ومتواصل ولا تنفك إلا أن تجعل من نفسك بائسا أكثر وحزينا غاضبا على نفسك وحياتك أكثر.

لكن .. توقف/ي لدقيقة .. 

هذا النظام وإن كان واقعا مفروضا علينا، وبات جزءا من يومنا لكن لا بد من تحجيمه، لكن علينا البدء بالتكلم بصوت واضح جدا أن هذا يبشر بمستقبل ضحل.

عليك البدء بفهم أن الاستسلام لهذا النظام سيدمرك .. نفسيا وماديا ومعنويا وعقليا. 

عليك رفض كل ما يروجون له، وإياكم والمقارنة.

الماديات لن تصنع منك إنسانا سويا صالحا .. لن تصنع منك شيئا ثمينا له  قيمة..

قيمتك تكمن بأفكارك وروحك وتعاملك مع من حولك، بعلمك وحاجتك للتطور أكثر .

بتعلمك للغة جديدة أو مهارة جديدة. 

بتحملك لصعاب يومك .. وتعاملك مع الروتين القاتل

قيمتك بما تحمله بداخلك.

أنت الشخصية الرئيسية في حياتك فلا تسمح لأي شخص آخر بالتأثير عليك وجعلك شخصية ثانوية.


لا بأس بمشاركة القليل من حياتنا هنا وهناك، وإن أحببنا شراء بعض الأشياء التي نحبها

لا بأس بأن نهتم ونعتني بأجسادنا ووجوهنا .. ولا بأس بأن الجسد له حق أيضا ويستحق الحب.

لكن علينا مشاركة أفكارنا وقيمنا وعلمنا ووعوينا وإدراكنا أيضا.

علينا البدء بالتصرف كأشخاص طبيعيين، وتنظيف أرواحنا وعقولنا من كل تلك السموم التي تؤذينا ونؤذي بها الآخرين . 

ولا بد أن تدرك ..

المؤثرون الحقيقيون هم العلماء وأولئك من يكتشفون أدوية جديدة لصحة أفضل، ومن يعملون جاهدين لجعل أعمارنا أطول.

المؤثرون الحقيقون هم المفكرين والفلاسفة وأصحاب العلم والفكر المستنير، الذين قادونا لعالم أفضل، ويحاولون جاهدين أن يصوغوا من القيم الإنسانية والأخلاق والقوانين ما يُناسب حياتنا ويمكننا من التعايش سويا.


ربا عياش
إقرأ المزيد من تدوينات ربا عياش

تدوينات ذات صلة