الجزء الأول من قصتي مع كتاب الإنسان يبحث عن المعنى .. (1)

بسم الله الرحمن الرحيم 

و بعد .. 


لم يكُن كتاب الإنسان يبحث عن المعنى مجرد كتابٍ عادي أبداً بالنسبة لي! أخرجني من مُحيط الإكتئاب الى براحٍ اَمن .. هو من الكتب التي تُربّتُ بلُطفٍ على كل نفسٍ أعياها كثرة التفكير في كل شيء.


أولاً .. لنحكي القصة

ما الذي جعل فيكتور فرانكل يُخرج ذاك الكتاب؟

أهو الحبّ فعلاً كما يزعم؟ 


قد يكون العنوان ده مُستغرب ، كيف للمعنى انو يكون علاج ، ويمكن يكون عنوان لواحد من كتب تطوير الذات اللي بتملا شتى المكتبات ، ولكن الكتاب ده للطبيب النفسي فيكتور فرانكلين وهو الزعيم للمدرسة العلاجية التالتة في الطب التفسي بعد فرويد وادلر ، فرويد نظريته كانت اساسها اللذة أما آدلر فكان اساسها الذات ؛ فرانكلين ما عارض ايّ من النظريتين قطعاً لكن كان شايف انو النظريتين لا اساس لهما لولا وجود معنى! وبكده اسس المدرسة التالتة في التحليل النفسي اللي هي العلاج بالمعنى! ، الملخص اللي ممكن نقوله للبداية واللي بيختصر كل حكاية الكتاب انو الانسان لو لقى لحياتو معنى او سبب يتمسك بيه يبقى ح يقدر يواصل ويعيش

مهما كانت الظروف ، وانو حياتو تستحق انها تُعاش!


الانسان فينا بمر بعدّة مراحل وقد تصل من السوء للإحباط ومنها لدرجة ممكن يفقد فيها كل معاني الحياة!

من الاقتباسات اللي قالها فرانكلين في الكتاب : لا يوجد

شئ في الدنيا يُمكن أن يساعد الانسان بفعالية على البقاء حتى في أسوأ الظروف مثل معرفته بأن هناك معنى حياته.



من بين 15 الى حوالي 20 ألف مُعتقل رُحلوا قسرًا الى بولندا عشان المعسكرات النازية اللي هناك ، وتحديداً معكسر أوشفيتز اللي كان ابشع المعتقلات النازية واكترها وحشية وخطورة.

دكتور فرانكلين كان واقف في صف طويييل! لمدة اربع ايام طوال وشاقة ، كان نصيب الواحد فيهم بعد المدة دي كلها قطعه خبز وحدة بس!

الطابور الطويل ده ، نهايتو كان ضابط مسؤول كبير يعني ، بعد ما تصلو ويفحصك كده من فوق ل تحت ، بيشير ب اصبعو لناحية اليمين او لناحية الشمال ، الناس اللي بيمشوا جهة اليمين كان يتم استغلالهم في الاعمال الشاقة ، وانا اللي بيمشوا جهة اليسار وهم الاغلبية ؛ ديل ح نحكي قصتهم بعد شوية.


فرانكلين في البداية ما اتبيّن ليهو الناس اللي اُرسلو جهة اليسار ديل حصل ليهم شنو! الا لمن سأل عن مصير صاحبو اللي كان اُرسل في الناحية ديك!

ف واحد جاوب عليهو وقال ليهو اُرسلو الى هناك! واشار ب اصبعو لمبنى كده فيه كمية مداخن طالع منها دخان!

في البداية فيكتور ما فهم! لحدي ما قالوها ليهو بصريح العبارة انو لقد اُرسل صاحبك الى المحرقة!

كان مكتوب على المباني اللي فيها المحرقة دي كلمة "حمام" ولمن يجي واحد بيدوهو صابونة وبخلوهو يدخل ويُواجه مصيرو المؤلم!!

الناس اللي نجو من المحرقة ؛ حالهم ما كان احسن من اللي انتهى بيهم المطاف في غرف الاعدام ،! الناس دي كانت بتعاني معاناة شديدة في كل لحظة! فبعيد عن استخدامهم في الاعمال الشاقة بأقدامهم العارية والجو مُثلج ؛ فهم كانو بياكلو قطعة خبز وحدة بس في اليوم ، نتيجة لكل ده ، اصابهم ضعف بالغ في اجسامهم وانتشر بيهم مرض اسمه التيفوس! علامات المرض هادا كانت الحمى الشدديدة جدًا والهذيان!

اغلبيتهم كان الموت من مصيرها ، نتيحة طبعاً لعدم توفر العلاج واضافة للمعاملة اللي كانو بتلقوها انو يواصلو في الاعمال الشاقة لأطول فترة ممكنة!

تتوقع زول بالمستوى الجسدي هادا

نفسيًا ح يكون كيف ؟!

مع الإهانات اللي كانو بتلقوها من السجانين ؛ أصابهم ضعف نفسي رهيب! وجلد ذات قاتل مع كل كلمة تتقال ليهم!

ف الألم النفسي كان أصعب بكتير جدًا

واللي زاد الضغط النفسي ، انو من تعاليم السجن انو ايّ زول حسوه ضعيف او هزُل جسمو طوالي يُساق لغُرف الغاز! مصيرو المحتوم يعني!

بحكي دكتور فرانكل انو مافي زول قدر يصمد قدام المعاناة دي ؛ الا الزول الاستطاع الهروب من الواقع القاتل المحيط بيهو ده ؛ الى واقع ثري جواهو هوَ !

عشان كده لاحظ انو النازع الديني عند المساجين زاد بنسبة كبيرة! ودي حاجة بديهية يعني!! وكان اكتر المساجين تديناً هم اكثرهم تحمل للمعاناة!

فكانو بشوفو انو المعاناة دي بتحمل معنى اسمى وارفع من الوجود المادي اللي هم فيه! فنفوسهم بتطمئن ، حين ادركو انو هم ما بموتو من اجل لا شئ ، بشوفوها كتضحية واجبة يعني!!


فبعد خروجو من السجن ؛ دوّن  فرانكلين تجربتو المؤلمة! في كتابو الانسان يبحث عن المعنى ونظريتو عن العلاج النفسي اللي سُميت العلاج بالمعنى ، ونظريتو هادي اللي نشأت تنيجة لمُلاحظتو للسجناء في تحمل المعاناة والألم ، ف اللي فقد من المساجين الشعور ب انو حياتو ذات معنى وما كان بتصور انو لوجودو غاية اكتر من مجرد اللذة العابرة ؛ فغالبًا كان بلجأ للانتحار! فبالنسبة ليهو ما كان في شي بستحق المعاناة القاسية هادي والتضحية!

ولو جينا قارنا الوقت داك بوقتنا اللي هسي ، ح نلقى تزايد كبير في عدد الوفيات بسبب حالات الانتحار!

التزايد في اعداد الوفيات والتصاعد الدائم لحالات الانتحار ؛ بعبّر عن ازمة الانسان الحديث ؛ الغارق حرفيًا في البحث عن اللذة والمتعه!! وهيَ الازمة اللي اتكلمنا عنها في كتاب الهشاشة النفسية ؛ اللي هي أزمة الخواء أو الفراغ الروحي!


عشان كده بتلقى انو الزول اللي فقد شعورو بإنو حياتو ذات معنى عمل حاجات كتيرة فوق مستوى الطبيعة! زي شرب الخمر مثلاً أو ادمان المخدرات! في محاولة بائسة للهروب من واقعو المؤلم عندو تعرضو لصدمة مثلاً او فقد حبيب! وبعد كده بفكّر جديًا في الانتحار!!


بعد التجربة الطويلة اللي خاضها الدكتور بول براند في علاج مرض الجزام ؛ ذكر في كتابو "هبة الألم" انو قضى نص تاريخو العلمي في مجمتع تقليدي بسيط ، والنصف الآخر في مجتمع حديث متطور ، واوضح انو المجتمع اللي كان عايش في الرفاه واللذات ؛ كان ادنى استعدادًا لتحمل الألم وأبلغ تأثرًا به!


ومن ابسط مظاهر الخواء الروحي ما يُسمى بعصاب يوم الأحد!  اللي ذكر فرانكلين في كتابو انو الشخص بكتشف في نهاية الاسبوع بعد ايامٍ طوال لمن يقعد مع نفسو وكده انو حياتو ع حقيقتها خالية من المعنى! فكيف بحياتو وهي بتلتف بشريط الفراغ!!  ومن الجو العدمي هادا بتنبت أمراض الكآبة ، والأمراض النفسية التانية!! حتى نيتشه انتبه للحاجة هادي! عشان كده قال مقولة جميلة ؛ من يجد سبباً يحيى به فإن في مقدوره ان يتحمل في سبيله كل الصعاب!

ومن النقطة دي بتساءل دكتور فرانكلين عن انو ؛ ما السبب للبقاء!؟  شنو الحاجة اللي بتضغط على الناس اللي قرروا الاستمرار عشان يستمرو ؟!

في احصائية عملتها احدى الجامعات بإحصاء حوالي 8 ألف طالب في 48 كلية ! في اجابة للسؤال : ماهو اهم شي بالنسبة اليهم!؟ كانت اجابة 16% تحصيل اكبر عدد من المال ؛ في حين الباقي اللي هم 78% اختارو انو هدفهم الاول هو ايجاد معنى للحياة .

ف بكده يبقى ده موضوع متأزم شديد! ولابد من ايجاد حل!! حل عشان نجد غاية وهدف لحياتنا!

وعشان نفهم حياتنا ، لازم نفهمها بشكل حكاية ، حكاية متنسقة بتسلسل منهجي مرتب ، السنة اللي فاتت كنا وين ؟ وهسي بقينا وين! احنا ساعين لشنو ؟ بنبحث عن شنو ؟ احلامنا شنو ؟ وكل الاسئلة هادي

اذا اطلعنا ع كتاب الله تعالى بنلقى انو الوحي يُؤسس التصور الاسلامي على اليقين الجازم بأن المدار والأساس والغاية والمنتهى هو الله سبحانه وتعالى!

وبكده ؛ لا يمكن بتاتاً انو تصح رؤية للعالم ولا معنى للوجود دون الايمان بالوجود الالهي واليقين التام بكماله المطلق! وكذلك بيّن الوحي ما يتضمنه التصور الاسلامي للمعنى من ذكر لنشأة الانسان والمعنى من وجوده وعلاقتو بالكون ومصيرو بعد الممات .  وبيّن انو في آخرة يُفترض يُستعد ليها! وهي اولى . فوعد الذين آمنوا بالنعيم المُطلق ، والخلود الدائم.

هكذا يؤسس الوحي التصور الصحيح للحياة في المنظور الإلهي..




*العلاج بالمعنى .. أيُمكن أن يكون حلاً ..؟!

يمكن أن يكون حلاً ..


(يتبع) ...



الإبــاء..
إقرأ المزيد من تدوينات الإبــاء..

تدوينات ذات صلة