ديمة البيبي التي عُرفت بدعمها ومؤازرتها لدور الشباب ودور المرأة في المجتمع.

وهي بدورها تجاوزت العديد من التّحديات لتصبح من أكثر السيّدات الملهمات في مجتمعنا، ديمة البيبي ملهمة داخل بيتها وأسرتها، وفي عملها وبين موظفيها.


تخصصت البيبي بالإلكترونيّات الرقميّة، وكانت شغوفة بالعمل منذ بداية مشوارها المهني، عملت منذ تخرجها في القطاع الخاص في أنظمة تكنولوجيا معالجة الصّوت، حيث كانت هذه الأنظمة والخدمات التقنيّة غير متوفّرة في الوطن العربي آنذاك، وكانت أول من تدرّب وعمل في هذا المجال في الأردن والشرق الأوسط. ساهمت البيبي في تأسيس قسم معالجة الصوت في إحدى شركات التكنولوجيا الرائدة في التسعينيّات، وقامت بتطوير أنظمة خدمات الهواتف البنكيّة الذكية  (Phone Banking Systems) في عدد من البنوك في الأردن والكويت وتركيا وغيرها من دول المنطقة، حيث وضعتها تلك التجارب العمليّة في دور إداري منذ بداية حياتها المهنيّة.


انتقلت البيبي بعدها للعمل مع شركة "مكتوب" منذ بدايات تأسيسها، وكانت مسؤولة عن تطوير الأعمال والتجارة الإلكترونيّة في الشركة، حيث أسست خدمة "تسوّق مع مكتوب - [email protected]"، وكانت في حينها أول خدمة للتجارة الإلكترونيّة في الأردن، وساهمت البيبي وزملائها على الوصول بمنصّة مكتوب لأكبر عدد من المستخدمين في الدول العربية، حيث كانت شركة مكتوب أول من قدّم خدمة البريد الإلكتروني باللغة العربية وتمكّنت من خلق أكبر مجتمع عربي على الإنترنت.


في عام 2000، وخلال فترة عملها في مكتوب، واجهت البيبي تحدّي كبير عندما اكتشفت إصابتها بمرض السرطان، وتزامن ذلك مع بداية تأسيس حياتها العائليّة، تذكر البيبي هذه المرحلة كإحدى أصعب وأهم مراحل حياتها، حيث تقول "بالرّغم من صعوبة الموقف الذي وجدت نفسي مضطرّة لمواجهته في بداية حياتي المهنيّة والعائليّة، إلا أنه كان من أهم المحطّات في حياتي، وكان له أكبر الأثر في تغيير مسار حياتي على المستوى المهني والشخصي".


قد يكون أهم قرار اتّخذتُه البيبي أثناء فترة العلاج هو أن تُكرّس حياتها في العمل في مجال التّنمية، تقول البيبي "أكثر سؤال كان يراودني أثناء مرضي هو: ماذا قَدّمت لهذه الحياة أثناء وجودي بها؟"، وقطعَت على نفسها وعداً استطاعت البيبي تحقيقه قبل انتهاء فترة العلاج، وهو أن تُغيّر مسارها المهني، بالرغم من عشقها لعملها في مجال التكنولوجيا، لتصبح لحياتها معنى وقيمة أكبر من خلال العمل بشكل مباشر في مجال التّنمية المستدامة. وجدَت البيبي فرصتها بالعمل مع الأمم المتّحدة في نفس العام، ولم يكن لديها آنذاك أي خبرة بالعمل في هذا المجال، ولكن كان لديها الحافز والشغف والإرادة لتحقيق أثر إيجابي في حياة أكبر عدد ممكن من الأشخاص. 


ومن المكتب الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة، بدأت البيبي رحلة جديدة في مسيرتها المهنية. تقول البيبي: "عملت مع الأمم المتحدة لمدة خمس سنوات،كانوا من أروع سنوات حياتي المهنيّة، حيث تعلمت الكثير خلال عملي في مجال تمكين المرأة، خصوصا أن المشاريع التي أدرتها شملت مشاريع اقليمية في عدد من الدول العربيّة، وساعدني كثيرا أن مديرة المكتب الاقليمي آنذاك كانت الدكتورة هيفاء أبو غزالة، وهي من أقدر وأروع القيادات التي تعاملت معها خلال مسيرتي العمليّة، تعلّمت منها الكثير وساعدني ذلك بشكل كبير في النجاح في عملي بمجال التنمية المجتمعيّة". 


عملت البيبي في مجال تمكين المرأة بشغف كبير، وكوّنت، من خلال تجربتها، فهم عميق للتحديات التي تواجه الفتيات والنساء في المنطقة العربية بشكل خاص، وركّزت جهودها لإيجاد الحلول وتطبيق المشاريع التي تهدف الى تمكين الفتيات من خلال تكنولوجيا المعلومات. تقول البيبي "بالاضافة إلى والدي ووالدتي، فقد كان لعدد من القياديّات الأردنيّات أكبر الأثر في إلهامي، وأنا اتعلّم منهن كل يوم وأعتز بأن أكبر الداعمين لمسيرتي المهنيّة هم سيّدات مُلهمات أفتخر بمعرفته والعمل معهن". 


أدركت البيبي من خلال عملها في التنمية البشريّة أنه، ولتحقيق التغيير الحقيقي، لا بُد من العمل مع الفتيات والفتيان من عمر مبكّر، خصوصا فيما يتعلق بتغيير المفهوم السائد لدور المرأة في المجتمع ولتحقيق التمكين الاقتصادي للشباب بشكل عام والفتيات بشكل خاص. وفي أوائل عام ٢٠٠٥، عُرضت على البيبي فرصة عمل جديدة لإدارة مؤسّسة إنجاز، وكانت آنذاك جمعيّة تعمل في نطاق محدود، لكن رأت البيبي في هذا الموقع فرصة كبيرة للوصول لعدد كبير من الطالبات والطلاب لبناء مهاراتهم العملية من عمر مبكّر، وبالتالي زيادة فرص تمكينهم اقتصاديا. ولأيمانها بدور الشباب في صناعة التغيير وبأهمية دور التعليم، وبالرغم من حُب البيبي لعملها في الأمم المتحدة، إلا أنها اتّخذت قرار الانتقال لتبدأ مسيرتها كرئيس تنفيذي لمؤسّسة إنجاز.


حرصت البيبي، من خلال عملها في إنجاز، على التركيز على تطوير الثّقافة الماليّة وبناء المعرفة والمهارات الرياديّة والفكر الريادي لليافعين والشباب، إيمانا منها بأهميّة هذه المهارات والسلوكيّات المصاحبة للفكر الريادي  في نجاح الشباب في حياتهم العمليّة والمهنيّة، وتوضّح ديمة البيبي "تعلّمنا الكثير من خلال عملنا مع مئات الآلاف من طلبة المدارس والجامعات كل عام على مدى ١٥ عام الماضية، وأصبحنا اليوم أكثر قدرة على تطوير وتنفيذ برامج ذات أثر إيجابي كبير على الشباب، تعلّمنا ما هي الحلول الفعّالة والغير فعّالة في تحقيق الأثر، وتعلّمنا كيفيّة تطوير المُحتوى ليتناسب مع جميع الفئات العمريّة والقدرات الفرديّة، وأفضل أساليب التعلٌم والتعليم الفعّالة، ونعمل من خلال شراكة مثمرة مع وزارة التّربية والتّعليم وصندوق الملك عبد الله الثاني للتنمية والجامعات الأردنيّة ومؤسّسة التدريب المهني والبنك المركزي وجمعية البنوك والقطاع الخاص الأردني، بالإضافة إلى مجموعة من الشركاء المحليّين والعالميّين، لتنفيذ مختلف برامج المؤسسة". 


وتضيف البيبي: "أنا محظوظة بفريق رائع وشغوف لتحقيق رسالة إنجاز وبمجلس أمناء ومجلس إدارة يضم خيرة قادة الأعمال بالأردن، بنَينا معاً أكبر وأقدر شبكة من الشركاء والمتطوّعين والمُرشدين الأكفّاء الذين نعمل من خلالهم، وهم ثروة المؤسّسة الحقيقيّة والجنود المجهولين".


خلال ال ١٥ عاماً الماضية، استطاعت البيبي وزملائها في إنجاز، من بناء مؤسّسة رائدة، على مستوى المنطقة العربية، وهي مؤسّسة غير ربحيّة هدفها الأسمى تمكين الشباب من خلال التعليم والريادة، وربط الخريجين الشباب بفرص العمل وتمكين الرياديّين منهم لخلق فرص عمل. وقد استطاعت المؤسّسة تنفيذ برامجها الفعّالة في كافّة مدارس المملكة ومختلف الجامعات والكليات والمعاهد التقنية ومراكز الشباب. واليوم، تُخرّج مؤسسة إنجاز أكثر من ٧٥۰ ألف طالبة وطالب سنوياً، من كافة المحافظات، وتَنقُل الخبرة بشكل مُباشر من سوق العمل إلى الطُلاب في مقاعد الدراسة.


لقد حقّقت مؤسّسة إنجاز نَقلة نوعيّة كبيرة في المدارس وساهمت بشكل أساسي في تعزيز ثقافة التطوٌع وفي المساهمة الفعّالة في بناء جيل يمتلك المعرفة والمهارات الرياديّة. كما أنها، ومن خلال حاضنة أعمال إنجاز (mySTARTUP)، مَكّنت مئات الرياديّين وساهمت في السنوات الاخيرة بتأسيس عشرات الشركات الناجحة. تقول البيبي "أنا متفائلة بالغد، فجُهودنا وجهود مؤسّسات أخرى في مجال التعليم ومجال والريادة، خلال العقد الماضي تحديدا، سوف تظهر نتائجها في المستقبل القريب، خصوصا بعد دخول دُفعات الخريجين والخريجات الذين تلقٌوا التعليم المالي والرّيادي في مختلف مدارس المملكة، وعلى مدى ستة أعوام متتابعة من الصف السابع وحتى الثاني عشر، إلى سوق العمل".


قد يكون أهم ما يُمَكّن القائد من استمرار تحقيق الإنجازات هو الشّغف الدائم للتعٌلم والمغامرة. صفات تمتلكها البيبي التي لم تمنعها كل تلك المسؤليّات من الاستمرار في التحصيل العلمي، فحصلت -خلال سنوات عملها- على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، كما أنها أول سيّدة عربيّة تحصل على زمالة جامعة هارفارد للقيادة المتقدِّمة عام ٢٠١٧، وهي طالبة دكتوراه في إدارة الأعمال تخصص الرّيادة. كما أنها كانت مستعدة دوما لتحدّي الصعاب والمغامرة لتحقيق الأهداف، منها أن تسلّقت مع مجموعة من الرياديّين وأصحاب الأعمال الأردنيين في عام ٢٠١٣ جبل إيفرست (Base Camp) بهدف جمع التبرٌعات لمركز الحسين للسرطان، وهي تجربة لم تزدها إلا إصرارا على العمل وتحقيق النتائج لإحداث التغيير الإيجابي. وعند سُؤالها عن مصدر طاقتها الدّائمة، أجابت البيبي “استمد طاقتي من الشّباب، طاقاتهم وقُدراتهم لا حدود لها، شغَفهُم لتحقيق أحلامهم يملؤني شغَف، هُم المحرّك الأساسي في المجتمع وهم صُنّاع الحاضر والمستقبل، لن نُحقق الأهداف دون طاقة الشّباب، ولن نُغيّر الأساليب التقليديّة الغير فعّالة دون أفكارهم وابتكاراتهم".


أثّرت البيبي في حياة الكثير من الأشخاص الذين تعاملت معهم، وألهمت الكثيرين ومنهم زملاؤها الذين يعتبرونها مثلهم الأعلى في العمل الطّموح والجاد، وبجانب عملها فهي زوجة وأم أثّرت بشكل كبير في إلهام ابنتها وابنها من خلال روحها الشّغوفة التي تحدّت الكثير، وعملت بكل جُهد وتفان. وانطلاقًا من إيمانها الراسخ بالمساهمة الفعّالة في المجتمع، تخدم البيبي في العديد من مجالس إدارة الشركات والمؤسّسات الوطنيّة والإقليميّة والعالميّة، كما أنها زميل في عدد من الشبكات المهنيّة العالميّة.


بقلم هبة سكجها



التعليقات