حب القراءة من الهوايات المحببة،ولكن كلمة"اقرأ"هي أول كلمة نزلت من القرآن،فهل يمكن أن نعتبر القراءة مجرد هواية؟وماهي مراحل تطور القراءة،هل ميول أم مكتسبة؟


حب المطالعة والقراءة من الهوايات المحببة للكثيرين لاعتقادهم ببساطتها فتكتب أحيانا كثيرة بجانب الهوايات حشواً لزيادة العدد، فلا يكاد يوجد طالب إلا ويتقن القراءة، مع أنها أمر مقدّس في الدين الإسلامي فتأتي قدسية القراءة وأهميتها من كونها أول ما أُمر به النبي محمد صلى عليه وسلم بوحي من رب العالمين، وكون كلمة "إقرأ" هي أول كلمة نزلت من القرآن الكريم، ولهذا كان لزاماً على كل مسلم تعلّم القراءة والكتابة عندما كانتا المفتاح الأول لقراءة القرآن كلام الخالق وفهم معانيه وتدبره، و هي الوسيلة التي تُنهل بها المعارف، والتي تَنقل بالقارئ إلى عالم الكاتب فتقدم له عُصارة خبرته وعلمه، وتجول بمشاعره بين الخيال والحب والكره والحرب و السلام،  وتسبح به في فلك العلوم المختلفة بين الفضاء والمدن والجبال والوديان والصناعة والزراعة إلى الطبخ والفنون.



ولكن إن كانت هي المفتاح الأول لكل العلوم فلماذا تُصنف في باب الهواية؟


و الهواية اصطلاحا: "اللعب أو العمل المحبوب يُشغف به المرء ويقضي أوقات فراغه في مزاولته دون أن يحترفه " (معجم المعاني)، فنستطيع اعتبار القراءة كذلك إن كانت مما يميل الشخص لفعله ويقضي جل أوقاته بالتنقل بين الكتب والروايات، ولكن ليس كل هاوٍ للقراءة مستفيد منها، فالقرَّاء يختلفون بالمراتب بين من يقرأ ليُشبع شغفه ويزيد فقط من حصيلته اللغوية ولكنه مغيب العقل مُتأثر المشاعر فيتأثّر بكل مايقرأ، ومن القرّاء من يُعمل عقله أثناء القراءة فيحلل الأفكار ويناقش ويسجل المعلومات ويكتب الهوامش ويتعلّم ويستفيد مما يقرأ فترتقي القراءة به و تتحول من هواية إلى وسيلة ولازمة للعلم والتعلم.


فالقراءة المفيدة هي التي تطور من الإنسان وترتقي به ...


ومن يميل للقراءة يحاول جاهداً أن يستفيد من شغفه هذا، ليتحول إلى قراءة هادفة، ولكن لا يمكن القول أن القراءة يجب أن تكون للهواة فقط، فالقراءة ليست أمراً مكتسباً وإنما يتم تعلمها بالتدرج ولمراحل، فهي الفاصلة في الاستمرار بالتعلم،  ولأهميتها ينصح البدء بتعليمها منذ الصغر، من المدرسة الإبتدائية، وتُحبب للأطفال من عمر الأشهر ومن سنواتهم الأولى ويستمر الاهتمام بها إلى آخر رمق في الحياة، فهي لاتنتهي بانتهاء السنوات الدراسية والجامعية إن كانت تعد وسيلة للتعلم والتثقف.


مراحل تطور تعلم القراءة


وأبرز من كتب عن مراحل تعلم القراءة وتطورها هي بروفيسورة في جامعة هارفارد jeanne Sternlicht Chall فصنفت تعلم القراءة بخمسة إلى ستة مراحل تطورية في كتابها Stages of Reading Development   نذكرها لكم مع التصنيف العمري المتوقع لكل مرحلة (الأعمار مصنفة بحسب تطور مراحل القراءة لأطفال الولايات المتحدة الأمريكية):

1. مرحلة ماقبل القراءة "القارئ الناشئ" (من عمر ستة أشهر– 6 سنوات): القراءة المبكرة للطفل من قِبل والديه ومن معلميه في رياض الأطفال تَربط الطفل بالعبارات والكلمات والأصوات، وتزيد من حصيلته اللغوية وحبّه للقراءة، وبعض الدراسات أوجدت أن طريقة القراءة لها دور مهم في زيادة وعي الطفل للكلمات كالإشارة للكلمة بالإصبع أو التركيز عليها لفظاً.

2. القارئ المبتدأ ( 6-7 سنوات): فيستطيع الطفل أن يقرأ كثيراً من الكلمات صوتياً دون أن يفهم معنى كثير منها، والقراءة المستمرة في هذه المرحلة تساعده على التطور في القراءة وتعلم كلمات جديدة لفظاً ومعنى.

3. القارئ القادر على فك الشيفرة (7-9 سنوات): وهي المرحلة التي يبدأ فيها الطفل بالقراءة بسلاسة أكثر، ويستنزف الطفل كثيراً من طاقته العقلية لمحاولة فك تشفير الكلمات وقراءة  الصعبة منها من دون التركيز على المعنى، ولكنه في النهاية سيصل لمغزى القصة ويفهمها وسيحاول معاودة القراءة للنص مرة أخرى لمحاولة فهم المعاني والكلمات.

4. مرحلة القراءة بطلاقة وفهم المعاني (9-15 سنة ): قد تخدع قراءة الطفل الطليقة في هذه المرحلة المُربّين بأن الطفل يفهم كل ما يقرأ، ولكن و إن لم  يستطع فهم كل الكلمات لكنه يصبح قادراً على استنباط المعاني لوحده من سياق القراءة، وأن يستنتج الأفكار ويحللها بعض الشيء ويربطها ببعضها، وهي مرحلة تطورية مهمة فتصبح القراءة فيها تلقائية وسريعة بحيث يستطيع الطفل أن يركز على فهم المعاني، وتستمر هذه المرحلة إلى مرحلة البلوغ المبكرة.

5. القارئ الخبير ( من 16 سنة ومافوق ) : حيث يحتاج القارئ إلى نصف ثانية لقراءة أي كلمة مهما كانت درجة صعوبتها، وتتعلق درجة تطور هذه المهارة بما سيقرأ البالغ وكم من الوقت سيقضي في القراءة، ومنها تتطور لمرحلة أخرى فيقوم فيها البالغ باختيار مايقرأ، ويعلم ماذا يجب أن يقرأ وماذا يتجنب من القراءة، فمن الممكن أن يبدأ مثلا بقراءة مقال من منتصفه أو نهايته محدداً مايريد قرائته.


ولهذا كان تعلم القراءة جزءاً مهماً من المناهج الدراسية، ولا يجب أن يقتصر تعلمها على المدارس فقط بل يَدعم الأهل والمعلمون والمربون في رياض الأطفال وغيرها تطور تلك المراحل، وربما تساعد أيضا نشاطات تعنى بالتشجيع على القراءة كقراءة الكتب من قبل البالغين للأطفال في المراكز الثقافية والمكتبات، وأيضا تلك الأنشطة التي تساعد في اختيار الكتب المفيدة ومناقشة الكتب المقروءة لتُضمن الاستفادة، فلا تبقى القراءة محض هواية فيتم إهمالها وتجنبها.


تسهيل توفير الكتب للأطفال واليافعين


وربما لا تكون المشكلة أحيانا عدم اهتمام الطفل أو اليافع بالقراءة بل بعدم توفر الكتب أو لتكلفة شراءها المستمر الباهظة الثمن، ولذلك كانت الدولة هي المسؤولة الأول عن تأمين الكتب وتسهيل تبادلها وتوفرها لأطفالها وشبابها في المدارس والجامعات والمكتبات الحكومية، و مثالاً لذلك مكتبات الدول الغربية التي تسهّل استعارة الكتب للأطفال واليافعين مجاناً، ولايقتصر الأمر على التكلفة بل على تنوع الكتب فلا تشمل مكتبات الدول الغربية على القصص الهادفة فقط بل كتبٌ تتحدث في القضايا المجتمعية والفكرية والدينية بشكل مبسط وتشرح العلوم المختلفة والتقنيات، وتشمل كتباً تعليمية للغات والهوايات والفنون المختلفة، وإن لم تتوفر المكتبات الحكومية لربما من الجيد إنشاء وَقفٍ أو التبرع لمكتبة تعنى بكتب الأطفال والشباب أو فتح سوق للكتب المستعملة بأسعار زهيدة وتسهيل تبادل الكتب واستعارتها.


فالقراءة هي الطريق الأول لارتقاء الشعوب، ولرُبَّ كلمة يقرؤها طفل أو شاب تفتح له آفاقا من العلم وأفكارا جديدة تنهض بالأمة، وتبقى هي الوسيلة  لتبادل العلوم والأفكار وتوارثها جيلاً بعد جيل، فلم يُحفظ القرآن من التحريف عن طريق الكتابة فقط بل بكثرة القرّاء والحفظة له أيضا، ولم تنتج كتب جديدة وعلوم مختلفة إلا بعد قراءةٍ لكتب الأولين والسابقين من العلماء والمفكرين، فأمة إقرأ هي الأولى بوضع القراءة في تصنيفها الصحيح لاهتمام الدين الإسلامي بالعلم والتعلم والتعليم وتدوينه وتطويره ونشره.




المصادر:

 

https://en.wikipedia.org/wiki/Reading#cite_note-103

https://newlearningonline.com/literacies/chapter-15/chall-on-stages-of-reading-development


 




التعليقات

شكرا لك يا لينا

Leena Al Rijjal
Leena Al Rijjal ٦ حزيران ٢٠٢١

كلام رائع ومفيد جدََا !!