من رشة ملح إلى رشة فلفل.. أطول رسالة إلكترونية مكتوبه.. من الدماغ المخروبه

هل أبدو متوترة؟

إنني أكتب رسالتي هذه من أبوظبي – بعد أن اجتزت بوابة العبور لأنني أخرجتُ لهم نتيجة سلبية لفحص كوفيد مضى عليها يومان – وها أنا أتناول في الكافيه (سكيم مافن بالتوت الأزرق) يابسة مع قهوة سوداء بلا سكر، منتظرةً افتتاح معرض أبوظبي للكتاب في الرابعة. أجل، حارس المعرض أعادني من حيث أتيت إذ قال لي لا أحد هنا – ولا حتى العارضين – ولم ينفع معه إلحاحي بأن أجلس على كرسيّ جانبيّ أو على الأرض في انتظار مرور ساعتين ونصف. قلتُ له إنني من شعبٍ يجيد الانتظار؛ معي كتاب (ليل المحو نهار الذاكرة) لإبراهيم نصر الله، وكذلك حاسوبي المحمول حيث سأستغرق وقتا ممتعا في كتابة رسالةٍ إليك، لكنه لم يهتمّ، وهشّني كذبابة مزعجة وصلت إلى طاولة الطعام باكرًا فعدتُ أدراجي إلى حيث أوقفت سيارتي في مواقف أمامية مصبوغة باللون الوردي مخصصة للنساء فقط.

اشتقتُ للكتابة إليك يا عايدة. إنني ألزمُ الصمت منذ فترة ولم أكتب لك. وكثيرةٌ هي الأحداث التي مررنا بها – كلتانا – ولم نتكاتب بشأنها، فمن أين أبدأ؟ فلأرتّب أفكاري أولا، ولألتزم بأسلوب فراشتي صفية الشحي في التدوين، ثم سأفصّل الأحداث واحدةً تلو الأخرى.. ما رأيك؟

طبعا، سأذكرك بجزئيّةٍ مهمة: أنتِ أيضًا لم تكتبي لي منذ زمنٍ طويل.. هذا يجعل مراسلاتنا الإلكترونية تأخذ منحى طبيعيًا يشبه مراسلات البريد الجوّي التي تصل متأخرةً.. أو لا تصل أبدا!

فلأبدأ بجدولة الأحداث التي غابت عنك:

# فاز ديواني (أعرني انتباهك أيها الغريب) بجائزة توليولا للأدب الإيطالي عن فئة الأدب غير الإيطالي.

# أصيب والديّ بفيروس كورونا، وتجاوزاه بفضل الله.

# تعالجتُ من حب الشباب الذي زارني في الثلاثين – أو فلنقل إنني في طريقي للخلاص منه!

# انتظمت لين وجنى في دروس الجمباز.

# أعدنا تصميم غرفة الجلوس، اختفت مكتبتي السوداء الضخمة من الواجهة، وصممنا مكتبا ومكتبة في غرفة داخلية اخترعناها اختراعا – ابلعي فضولك فستأتيك التفاصيل أدناه.

# اشتريت سلسلة ذهبية تنتهي بدائرة يتوسطها اسمي (أمل) مع ورود وفراشات!

# اشترينا وعيَ جيلٍ جديد بفلسطين.. اشتريناه بالدمّ ووسائل التواصل الاجتماعي.

والآن، إلى التفاصيل.. آخ! هل أبدو الآن كمذيعة لقناةٍ إخبارية!

حسنا، لن ألتفتَ لهذا التشبيه، سأكتفي بالقول إن البرمجة العصبية التي شغّلتها منذ العام الماضي آتت أُكُلها، أظنك تذكرين سيرة إيطاليا التي كنتُ آتي عليها في كل مرة فأقول: أريد أن أزور إيطاليا.. إلخ... أجل، فزتُ بالجائزة الإيطالية، وفي الليلة التي جاء في صباحها إعلان الجائزة حلمتُ بفدوى طوقان تتأبط ذراعي لنتمشى على البحر وهي تحّدثني بأريحية كأننا صديقتا طفولة، ثم رأيتني أتمشى وحدي فأصل إلى بيتها الطيني ذي الشكل المستطيل بنافذة وحيدة، أمامه بركةٌ على شكل قلب محاطة بأشجار ذات ورود حمراء قانية تتساقط بتلاتها بهدأة فتغفو على سطح الماء.. وفراشات وعصافير تحلّق هنا وهناك..

استيقظتُ من الحلم مبتهجة، وعرفتُ أنها إشارةٌ؛ فدوى طوقان فازت بجائزة الزيتونة الذهبية من إيطاليا. إذن، فدوى زارتني لتكون أوّل مهنئةٍ لي بالفوز! ثم.. أعلنوا النتائج، وفزت!

هل أحدّثك عما تبعَ إعلان الفوز في البيت؟ لا شيء. لو أنني احتفظتُ بالأمر لنفسي، لكان أجدى! لكن الأصدقاء على الشبكة احتفلوا بالخبر، كما احتفت به الصحافة متأخرةً يوما – لأن خبر الفوز وصل منقوصا – كان الأمر أشبه بحفلة سيرك عظيمة مُنعت تذاكرها عن الحضور. حسنا، لا بدّ من ذكر وصول باقة زنبق أبيض إلى بيتي من رولا. كانت تلك أجمل باقة.. مم.. الباقة الوحيدة إن تحرّينا الصدق!

أما إصابة والديّ بفيروس كورونا فقد جاءت بسبب استهتار بعض الأقرباء، وحب والدي لتوزيع الأحضان على الناس.. أتظنين أن حاجتنا للشعور بأننا محبوبون تزداد كلما كبرنا في السن؟ هل يحضن أبي الناس هكذا بالمجان لأنه يرغب في توزيع جرعات من الحنان والحب عليهم؟ أم لأنه يريدها ويعجز – كأي رجلٍ شرقيّ أصيل – عن التعبير؟

شعوري كان مكبّلا جدا يا عايدة.. لم أستطع زيارتهما أو خدمتهما طوال تلك الفترة، كان الهاتف وسيلتي الوحيدة للاطمئنان عليهما. وأحيانا كنتُ أنسى فلا أتّصل. أنتِ تعرفين مقتي للمحادثات الهاتفية أصلا! ما أدهشني هو أخي الأكبر محمود؛ إذ تولى أمر خدمتهما على أكمل وجه، وكان بطل الحدث برمته. قال لي ببساطة: يا أمل، يجب أن يخدمهما أحد ويراقبهما، وأنا سأفعل، لا يهمني إن أصبت بالعدوى، أنا لها!

وفعل! كلّ واحدٍ منا كان مختبئا في جحره خائفا على نفسه وزوجه وأولاده، إلا هو. كم دعوتُ الله له أن يوفقه ويكافئه على هذا البر وهذا الحنان. أجل، محمود من برج الأسد، على جبروته الظاهر، إلا أنه من بيننا جميعا، يملك أحنّ قلب، هل أقول إن الدنيا لم تفهمه أو لم تفتح ذراعيها له؟ لعلها.. لكن الدنيا (قُرضَه ودين) كما تقول أمّي.

وماذا عن حبّ الشباب؟ أخيرا اقتنعت وذهبت إلى طبيبة الجلدية – التي سبق وعالجت ابنتي جنى – وأعُجبتُ بها لسبب بسيط: كانت واعيةً ومرحةً وتتحدّثُ بسرعةٍ صاروخية.. وهذا يشبهني جدا!

قالت إنها ستتعامل مع بشرتي (التي كانت جافة ولم تعاني من حبّ الشباب لا في الطفولة ولا المراهقة ولا الزواج ولا الحمل) على أنها بشرةٌ دهنية.. إن بشرتي غاضبةٌ ومتوترةٌ لسبب ما. المهم، كنتُ ذكيّةً فاستخدمتُ المرهم على بشرتي كاملة، وكان شديد المفعول، فأصبح وجهي أشبه بلوحٍ من الرخام، وتحسست عيناي وطرفا شفتيّ كذلك. عندما عدتُ إليها ضحكت على ما فعلته ورأت النتيجة المبهرة – إذ نال خدّي الأيمن استراحةً من الحبوب الوردية التي اختفت – ووصفت لي كريما آخر أخف مفعولا وأدوم. الآن، عدتُ فيما يبدو إلى سيرتي الأولى، لكن ليس إلى بشرة الأطفال التي كان الناس يعجبون بها.. إنها بشرة طفلة تتقدم نحو سن المراهقة بآثارٍ ورديّةٍ خفيفةٍ لحبوبٍ مرّت على وجنتها على استحياء.

ماذا عن لين وجنى والجمباز؟ إن السنفورة الصغيرة التي تسكن بيتنا انتظمت أخيرا في دروس الجمباز مع مدربّةٍ حقيقية.. أجل، لاعبة الجمباز المصرية السابقة مي كرم، والمدربة الفنية السابقة لفريق الجمباز في نادي سموحة الإسكندرانيّ، والحاصلة على شهادة الدكتوراة في الهندسة المعمارية. أتصدقين ذلك؟ إنها الصدفة التي تجمع أشخاصا من أقاصي العالم.. لتدريب فلعوصة صغيرة كابنتي، فتكبر الصدفة وتصبح صداقةً جميلةً مع إنسانة رياضيّة واعية مثقّفة متواضعة جدا.. لقد قابلتِها يا عايدة، وكل كلمةٍ سأقولها في حقها لن تكفي.. أعتقدُ أنّك تفهمين ذلك دون حاجةٍ منّي إلى إسهاب.

لين تتطور بسرعة، لكنها تكابر، وتريد أن تتقن كل الحركات في ليلة واحدة. هذه البنت في حاجة إلى (تنظيم) دماغ، أعتقد أنها لو منحت فرصةً لاشتغلت في السلك الديبلوماسي.. إنها (تبرم) أي شخص أمامها من أوّل نقاش.. وإذا لم تذهب للتمرين لسبب أو لآخر، تركن إلى زاوية وتبدأ بتشغيل اسطوانتها: موهبتي تضيع.. مستقبلي في الجمنااااااااستكس يا ماما.. راح!

والآن، إلى الحدث العائليّ الأبرز يا عايدة.. لقد زُرتني قبل أن نعيد تصميم صالة الجلوس، ولك أن تتخيلي ما حصل! هذه الثورة في عالم التصميم حدثت في خمسة عشر يوما فقط، وفي رمضان.. عشتُ النصف الأخير من رمضان مع فوضى عمّال الجبس والتركيب والنجارين والصّباغين.. كانوا يعملون بلا انقطاع منذ الصباح وحتى منتصف الليل.. وطبختُ لهم (فتّ باللحم وأرز)، وهي إحدى أشهر الأكلات الفلسطينية. تذكرتُ أمي عندما طبخت لعمّال بيت العائلة الآسويين المفتول الفلسطيني، وشربوا بعده عدة لترات من الماء منعتهم عن العمل في اليوم التالي لأن بطونهم (انتفخت) من كثرة الطعام والشراب – الذي كانوا يتناولونه لأول مرة في تاريخهم ولعلها الأخيرة!

هل يحوّلنا الزمن إلى أشباهٍ لأمهاتنا يا عايدة؟ أم أننا من نتشبّه بهن لا شعوريًا، في رغبةٍ حميمة منّا لاستعادة تفاصيل زمنٍ جميلٍ عشانه؟

حسنا، ما حصل أن زوجي احتاج لمكتبٍ أخيرا ليعمل منه دون ضوضاء منزلية تزعجه. المكتب المتوفر لنا هو مكتبٌ قائم في غرفة النوم، وهو لا يصلح له – لكنه "كان" يصلح لي لأؤلف عليه، لأن.. "أهم شيء في أي بيت هو الديكور" – وبما أن تلك العبارة أثبتت فشلها في زمن الكورونا والعمل من البيت، صار اتخاذ قرار بإجراء تغيير جذري في الديكور أمرًا واجبا. وهذا ما حصل. صحيح أنني اضطررتُ للتخلي عن مجموعةٍ لا بأس بها من الكتب – التي حظيتِ بها طبعا – لكن الأمر برمته يستحق التجربة.

أصبح لدينا غرفة مكتب مع مكتبة جميلة التصميم لونها خشبها بيج، بإضاءة ذات تصميم مُبهر سواء على الجدار أو السقف، وأخيرا غيّرنا (الوَجهَين) اللذين كنتُ أكرههما إلى تحفتين جميلتين. لكن ما حصل لاحقا كان مزعجا لي وحدي. لم تعد هناك مكتبة ضخمة في آخر غرفة الجلوس لأريح عينيّ بتأمّلها من حينٍ لآخر. أمامي الآن جدار رماديّ مصبوغ بصبغٍ اسمه (لايدي رومانو).. مع مصباحين يشبهان مصابيح شوارع روما. أين ذهبت المكتبة؟ إنها خلف الجدار.. إنها في الداخل! أوف! تبًّا، يا عايدة لم أنتبه! إنها في الداخل.... الكتابة... الكتابة في الداخل!!!!

سأسكت. لن أضيف شيئا على هذا الأمر، إلا أن زوجي أحسّ بالغصة التي شعرتُ بها، وأضاف للجدار مكتبة صغيرة على شكل فروع شجرة لأضيف إليها بعض الكتب على سبيل التعزية البصرية.

والآن.. ماذا بشأن السلسلة الذهبية؟

أنتِ تعلمين أنني لستُ من عشاق اقتناء المجوهرات الذهبية عموما.. لكن عندما اشتريتُ لابنتي نور سلسلة ذهبية تنتهي بقلبٍ ذهبيّ صغير رأيت اسمي تحيطه دائرة عليها فراشات وأزهار. أحببتُ السلسلة؛ لأنها ذكرتني بسلسلة ذهبية كانت لأمي مكتوبٌ عليها اسمها (غالية)، وكانت تحب أن ترتديها دائما وأحبّ أن أراها تتدلى من رقبتها، ثم انقطعت السلسلة ولم تعد ترتديها ثم باعتها مع ما باعت من ذهبٍ قديمٍ مكسور. كنتُ أشتري – مرّةً أخرى – الذاكرة يا عايدة!

وفي الحديث عن الذاكرة.. نتشبّثُ بالوعي. ما يحدثُ الآن على ساحة فلسطين والعالم أجمع، هو وعيٌ جَمعي بذاكرةٍ حاول الاحتلال – وما زال – إجهاضها ومحوها من التاريخ. وكنّا وصلنا جميعا إلى مرحلةٍ من الرعب بأن هذا الجيل الذي يرطن بالإنجليزية ويكرهُ الكتبُ العربية لأن اللغة العربية (مُعَقّدة) و(مملة) سوف يتأمرك ويتفرنجُ ويُهمِل وينسى.

لكن لا!

انتفضت ابنة حيّ الشيخ جراح – منى الكرد – وطلبت من العالم أن ينقذ حيّها، وأن ينقذ فلسطين من كماشة التهويد والاستيطان بهاشتاغ، وملاحقة الجرائم بالتصوير والتوثيق، خاطبتْ شبابا وبناتٍ من جيلها يتابعونها على حسابها في وسائل التواصل الاجتماعي.. واشتغلَ وعيٌ من نوع آخر، وعيٌ بالأساليب والأدواتِ التي كُنّا نُحاربُ بها من قبل!

أجل، لا يمكن للمحتل إلا أن يفهم لغة الدم، وهكذا.. استبيح دمنا مرّةً أخرى في القدس وغزّة.. لكن هذا الدم المُراق عبّد ممراتٍ من الوعي لجيلٍ يحملُ الراية.. كنّا نخاف عليهم ألا يقرؤوا عن تاريخهم، وألا يعبؤوا بنضالات من قبلهم.. لكن التاريخ أصبحَ يُقرأ الآن بكلّ اللغات.. كل من هاجروا وأخرجوا من ديارهم، وصارت ألسنتهم أعجمية، صاروا الآن حملةَ راية فلسطين.. بألسنتهم الأعجمية! ومن تحت الرماد، يخرجُ الجمر الذي صبرَ طويلا.

أكتبُ لك وما زالت الأمور مشتعلة، في اشتعالٍ لا ينتهي إلا بالتحرير.. وإن لم نكن نحن جيل التحرير، فإنني لم أعد خائفة، لم أعد يائسة، ولا متشائمة، إنني أحمل في قلبي وعدًا.. ووعد الله حق.

إنها الثالثة والربع يا عايدة. أرأيت؟ أنفقتُ في الكتابة إليك وقتا ثمينا ولكنني مرتاحة. أنهيتُ كوب قهوتي، ويمكنني قضاء ما تبقى من وقتٍ قبل افتتاح المعرض في قراءة الكتاب.

سأعرض عليك ما اقتنيتُ من المعرض عندما أعود مساء بإذن الله. ولعلّي أنتقي لك كتابا أو اثنين.


رشة ملح

ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

يا إلهي!
كيفَ أصفً هذا؟
أعني.. أنا لا أعرفك، ولا أحب النصوص الإلكترونية الطويلة، كيفَ أنهيتُ هذا بهذه السلاسة؟
أكان أسلوبك أم أننا نحملُ همًّا كبيرًا واحدًا، أعجبني عنوان المقال وضغطت لأرى ما قد قيل فيه، أنا فلسطينية أيضًا، وكل ما يمكنني قوله الآن أن هذا مقال رائع!!

إقرأ المزيد من تدوينات رشة ملح

تدوينات ذات صلة