"بروفيسور طوسون علي مرسي رجل من رجال الزمن الجميل يمشي بيننا حاملا علي كتفيه وظهره وصدره وفي قلبه ورود الزمن الجميل"


عندما كنت صغيرا في المرحلة الابتدائية كان المعلم يمثل لي أيقونة أقف أمامها بكل احترام وتقدير ممزوج برهبة لا أستطيع التخلص منها. كان المعلم بالنسبة لي هو مصدر الوحي العلمي والأدبي والثقافي والأخلاقي. وكان منتهي حلمي أن أجلس بجوار أستاذا لي أو مجرد التحدث إليه بعيدا عن أسوار المدرسة. وكانت منتهي السعادة لي أن يسمعني هذا الأستاذ و يحادثني ونتناقش بحرية بدون رهبة وبدون أسوار . وكان الحلم الأكبر أن يكون لي أستاذا يحتويني ويدعمني ويشدد من أزري ويدافع عني ويقسو عليّ إن قصرت ويتابع أنشطتي ويشاركني في أمور علمه وحياته. 


ولم يحدث هذا كله سوي بعد المرحلة الجامعية عندما تعينت معيدا فقد رزقني الله بعدد من الأساتذة، وإن كان قليلا، إلا أنني نلت منهم كل الدعم المعنوي والعلمي. حتي وأنا في اليابان وأمريكا للدراسة والعمل، وجدت هناك من يدعمني معنويا وعلميا من الأساتذة الذين لهم دورا كبيرا في حياتي. وفي كل الأحوال، كان الأستاذ في نفس مكان الدراسة والعمل بحكم المكان والزمان. ولكني لم أتخيل أبدا أن يكون هناك أساتذة يدعمونني من خارج نطاق الدراسة والعمل .


ولكن حدث ذلك مع العديد من الأساتذة العظام الذين كان بهم بصمة كبيرة في حياتي، ومازلت ألجأ إليهم واتكأ عليهم من وقت إلي آخر. وعلي رأس هؤلاء الأساتذة الكبار أستاذي الدكتور طوسون مرسي أستاذ علم الطفيليات الطبية بكلية الطب جامعة عين شمس.بروفيسور طوسون بالنسبة لي ليس أستاذا علميا فقط، ولكن هو أب وأخ وصديق وخال ومعلم كبير في الحياة. هو هذا القلب الكبير الذي ينبض دائما بالحب والود والصفاء والتفاؤل والعطاء اللامحدود والغير مشروط .


عندما أتحدث معه، أشعر وأني صَغَرتُ عشرون عاما كاملة. أشعر وكأنه أيقظ في نفسي وجوانحي ألف طفل يضحك ببراءة، وألف صبي يحلم بلا نهاية وألف شاب يعمل بلا بداية ولا نهاية. أشعر وكأني أصبحت رجلا غير كل الرجال وقائدا به كل المميزات. لا أدري كيف تتسلل إلي نفسي كل هذه المشاعر عندما أقابله وأتحدث إليه، مع أنني هو أنا لم تتغير خلية واحدة في جسدي. إنها الطاقة الإيجابية التي منحها الله لبعض عباده يوزعونها علي عباده ليبعثوا فيهم الهمة والتفاؤل والعطاء. هكذا هو د. طوسون ماكينة تفاؤل وعمل وحب وعطاء. العجيب أني لم أجده مرة واحدة شاكيا أو عبوسا أو ناقما، رغم أني أعلم بما يحمله في قلبه من قلق وحزن وهموم ثقال. وتلك هي قمة العطاء، أن تعطي وبحب رغم كل ما فيك من محن. 


كان لقائي الأول مع أستاذي د . طوسون مرسي منذ ثمانية أعوام في صيف عام ٢٠١١. لم أكن أعرفه خاصة أن مجال عمله وأبحاثه وأنشطته مختلفا عن مجال عملي وأبحاثي. فهو أستاذ الطفيليات، وسكرتير عام الجمعية المصرية للطفيليات الطبية، ومدير تحرير المجلة العلمية الصادرة عن الجمعية. وأنا مجال عملي ودراستي وأبحاثي في المناعة والأورام والخلايا الجذعية. وكنت حديث العهد بالمجتمع العلمي بمصر آنذاك بعد عودتي إلي مصر في شتاء ٢٠١٠ بعد رحلة دراستي وعملي في اليابان وأمريكا من ١٩٩٢ - ١٩٩٧ ثم من ١٩٩٧ حتي ٢٠١٠. ولذلك لم أكن أعرف الكثير خارج نطاق عملي وأبحاثي. 


تعرفت علي أستاذي د. طوسون في صيف ٢٠١١ عن طريق الزميلة الفاضلة ا.د. نهلة شكري أستاذ علم المناعة والطفيليات بكلية العلوم جامعة السويس والتي كنت قد تعرفت عليها أثناء فعاليات المؤتمر السنوي للجمعية المصرية الألمانية لعلم الحيوان بجامعة بني سويف في ٢٠١١، حيث كنت قد ألقيت فيه محاضرة افتتاحية بدعوة من أستاذي الفاضل ا.د. فتحي عبد العاطي رئيس الجمعية والمؤتمر آنذاك. ولحسن الحظ د. نهلة هي تلميذة من تلامذة استاذنا د. طوسون بحكم طبيعة أبحاثها ولكونها في إدارة المجلة المصرية للطفيليات التي يديرها سيادته. رغم أنها تحدثت معي في أمور علمية كثيرة ونية للتعاون العلمي، إلا أنها لم تتحدث كثيرا عن د. طوسون وأشارت فقط إلي دورها معه في ادارة المجلة. وبالطبع لم تكن هناك مناسبة للحديث المطول عن سيادته . 


وعندما يشاء القدر، تُغزل الخيوط لتحقق المشيئة. كنت في صيف ٢٠١١ قد بدأت في التحضير لمؤتمر دولي كبير في أبحاث السرطان بجامعة طنطا بالتعاون مع الإتحاد الشرق أوسطي لأبحاث السرطان ومقره كندا، حيث أني أحد مؤسسيه. ولأنه كان حدثا كبيرا لأول مرة في جامعة طنطا، ولأن قطاع الدراسات العليا وقتها برئاسة الأستاذ الدكتور ابراهيم سالم قد وافق علي رئاستي للمؤتمر، فكنت دائم العمل علي بذل كل الجهد والفكر لإنجاح هذا الحدث الكبير في رحاب جامعة طنطا من خلال دعوة أكبر عدد ممكن من الأساتذة الكبار من داخل وخارج مصر، وكذلك أكبر عدد من شباب وكبار الباحثين من مصر والشرق الأوسط لحضور المؤتمر، وخلق بيئة قوية للتعاون العلمي. كما أني كنت حريص علي أن يكون المؤتمر ذو طابع متعدد التخصصات المرتبطة بأبحاث السرطان.


دعوت الزميلة نهلة شكري وطلبت منها أن تدعوا ا.د . طوسون للمشاركة الشخصية، وكذلك الجمعية المصرية للطفيليات الطبية التي يديرها خاصة أن هناك بعض الطفيليات التي لها علاقة بالأورام السرطانية. وكانت المفاجأة الكبيرة وهي قبول د. طوسون علي اشتراك الجمعية في المؤتمر وبسرعة لم أكن أتوقعها. بل عرض وقتها أن يدعم المؤتمر معنويا وماديا بكل الطرق. تواصلت معه تليفونيا لأشكره علي دعمه السريع والغير مشروط، فوجدته أثناء المحادثة التليفونية إنسانا ودودا ومحبا وخدوما وصدقوا بدرجة جعلتني أشعر بأريحية وأتحدث في امور كثيرة. وجدته يسمعني بشغف ويقدم لي الحلول ببساطة جعلتني أُزيد من الفضفضة. وكانت تلك المكالمة هي بداية الصداقة بين التلميذ والأستاذ حتي وقتنا هذا والتي ازدادت وتعمقت رغم قلة اللقاءات. 


فوجئت قبل المؤتمر بشهر أو يزيد بسيادته يقترح اقتراحا لم أكن أحلم به، وهو مشاركة الأكاديمية الطبية العسكرية بوفد من الأطباء من الأكاديمية وعلي رأسهم رئيس الأكاديمية وقتها السيد اللواء طبيب عمر هيكل، ومعه وفد رفيع المستوي ومنهم الصديق العزيز لواء طبيب ممدوح البهنساوي. ولم يقتصر الدعم علي وعده بحضور هذا الوفد رفيع المستوي وبالزي العسكري ولكن أيضا بعرض أحدث الأجهزة والمعدات الطبية لدي الأكاديمية التي تستخدم في التشخيص في مجال الفيروسات الكبدية مما يمثل سابقة الأولي من نوعها في منطقة الدلتا. وبالفعل صدق وعد د. طوسون وحضر الوفد رفيع المستوي وألقوا محاضرات افتتاحية ومحاضرات في الجلسات العلمية، وأقاموا المعرض وكنت فخورا جدا بهذه المشاركة، خاصة أن الوفد وعلي رأسه رئيس الأكاديمية كانوا في قمة التواضع رغم العلم الغزير والدعم الكبير. ولم يتركني يومها د. طوسون لحظة بل كانت عينيه علي تحركاتي وتصرفاتي، يراقبني ويقدم النصح والدعم الغير محدود حتي كادت الدمعات تفر من عيناي بسبب كل هذا الدعم والاهتمام والاحتواء.


ونجح المؤتمر نجاحا ساحقا وفريدا تحاكي به الجميع وعلي رأسهم نائب رئيس جامعة طنطا آنذاك ا.د. ابراهيم سالم الذي قدم كل الدعم للمؤتمر. وعندما سألت د. طوسون بعد انتهاء المؤتمر عن سبب دعمه لي بهذا الشكل، كان رده بسيطا جدا وهو "أنت تستحق الدعم لأنك تفعل شيئا ولو بسيطا لمصر وأنا عاشق لمصر وللمصريين المخلصين". ساعتها أحببته أكثر وأكثر وصارت صداقتنا أعمق أكثر وأكثر. تكرر نفس السيناريو من دعمه اللامحدود في المؤتمر الذي قمت بتنظيمه في جامعة طنطا عام ٢٠١٣ عن أبحاث السرطان ودور مراكز التميز العلمي بمصر، وكذلك في ٢٠١٨ عندما نظمت وترأست المؤتمر السنوي للجمعية المصرية لأبحاث السرطان بالتعاون مع جامعة طنطا في ابريل ٣٠١٨. لم يتوانى في الدعم وحضر بنفسه ومعه وفد كبير شاركوا بالأبحاث والمحاضرات ونظموا جلسة خاصة عن دور الطفيليات والسرطان وكانت أروع ما يكون. ورغم انشغالي الشديد في الاشراف علي أحداث المؤتمر، إلا أني حرصت علي حضور هذه الجلسة العلمية لأهميتها من ناحية، و أتعلم منه كيف يدير الجلسات العلمية. فوجئت به بعد انتهاء الجلسة يهديني درع الجمعية المصرية للطفيليات.  


وكانت المفاجأة كبيرة وجميلة ومتميزة بالنسبة لي في اليوم الأول للمؤتمر والذي  كان ناجحا جدا والحمد لله.  وكان اليوم الثاني أكثر جمالا لي  بعد أن تم الإعلان عن فوزي بجائزة الدولة التقديرية  في العلوم الأساسية وهي من الجوائز رفيعة المستوي .فإذ  به يؤجل سفره إلي القاهرة ويظل معي ليحتفل بفوزي بهذه الجائزة. وهكذا كان تكريمه لي بشري طيبة لفوزي بالجائزة والحمد لله.هذا هو البروفيسور طوسون مرسي، الرجل الذي يحمل علي كتفيه وظهره وصدره وفي قلبه الزمن الجميل بكل صفاته ونكهاته وحكاياته وتفرده. رجل علي قمة الهرم العلمي في مصر يلوح بكلتا يديه لشباب وكبار الباحثين أن يتقدموا الصفوف، ويرفعوا علم مصر عاليا في كل المحافل العلمية. فرغم أنه أستاذ الأساتذة ومن الرواد الأوائل الكبار، إلا أنه مازال يعمل بنفسه ليل نهار لكي يرتقي بالمجلة المصرية للطفيليات، والتي عمل علي تطويرها طوال خمسون عاما حتي جعل منها صرحا كبيرا يظهر في كل محركات البحث العلمي ولها معامل تأثير وتخدم العديد من الباحثين في العالم. إنه الأستاذ الذي لا يكل ولا يمل ويعمل أكثر مما يستريح، وأنا شاهد علي ذلك. 


بروفيسور طوسون خفيف الظل وسريع البديهة يجعل للحديث واللقاء نكهة خاصة. فكثيرا ما دعاني إلي لقاءات علي الغذاء والعشاء بالنادي الأهلي بالجزيرة وفي بيته أنا وأسرتي. وفي كل لقاء نكتشف فيه صفات جديدة وانسانا جديدا وانسانية جديدة. أسلوبه في الحديث يجعلك تشعر بالتفاؤل والوطنية والسعادة والضحك وحب الحياة والإقبال عليها، حتي أن ابنتي يارا تعشقه وتحبه حبًا جما بعد أن قابلته من المرة الأولي، فهو محب جدا للشباب وداعم لهم علي طول الخط. ولا أنسي حرصه علي ارسال نسخة من كل عدد صادر من المجلة لابنة صديقي الغالي د. يسري البلقيني منذ أن كانت طالبة في كلية الطب بطنطا بعد أن قابلها مرة معي. وفي كل مرة يرسل لها السلام والعدد الجديد من المجلة  ولا ينسي أن يكتب عليه اهداء خاص لها.حقا، رجل من الزمن الجميل يشع تفاؤلا وحكمة وحب وسعادة مملوءة بالطاقة الإيجابية التي يفرقها علي كل من حوله بلا حدود.


ولد بروفيسور طوسون علي مرسي في القاهرة  في الثامن من أكتوبر عام  1934 تم تعيينه معيدا بقسم الطفيليات بكلية الطب جامعة عين شمس  في 24 ديسمبر 1956  حتي  23  مارس 1965 ثم مدرسا  بذات القسم  في 24 مارس 1965  ثم أستاذا مساعدا  في 23 ديسمبر 1965  ثم أستاذا  في 27 ديسمبر  1976 حتي  31 أغسطس  1995 . شغل د. طوسون منصب رئيس قسم الطفيليات بكلية الطب جامعة عين شمس من 1 سبتمبر 1989 حتي 31 أغسطس  1995 ووكيلا لكلية الطب. ومنذ ذلك التاريخ وهو أستاذ متفرغ بذات القسم.شارك في أكثر من  240 مؤتمر محلي ودولي  وله أكثر من 613 بحث منشور في مجال الطفيليات. ألف العديد من الكتب لطلبة الطب.


أثناء مشوار حياته العلمي حصل بروفيسور طوسون علي 36 جائزة وميدالية علي ابحاثه. منها مركز الأبحاث الأمريكي NUMRU-3 عام 1960 ; وزارة البحث العلمي بمصر عام 1964 وميدالية من الرئيس جمال عبد الناصر في عيد العلم عام 1964 ومن الملك فيصل بن عبد العزيز بالسعودية عام 1973 والأمير يزيد عبد الله عبد الرحمن السعودية عام 1973 ومن الملك حسين في الأردن عام 1976 ومن الرئيس حافظ الأسد  بسوريا في يوم العلم عام 1977 ومن العديد من الجامعات المصرية ونقابة الاطباء والمحافظات  والمراكز البحثية .بروفيسور طوسون مرسي مدرسة علمية بل جامعة انسانية وخبرات متميزة تمشي علي الأرض وتحلق بأحلامها في السماء.  


د. طوسون يحتاج مجلدا كتابا للحديث عن انجازاته وسماته الشخصية وبصماته علي المدرسة العلمية الكبيرة التي أنشأها في جميع انحاء مصر. د. طوسون مرجعية لن تتكرر، وظاهرة علمية وانسانية قلما أن تتكرر. هو شخصية فوق العادة، هو سفير الحب والتفاؤل والبهجة والصفاء والمحبة.هو لي الأستاذ والأب والمعلم والأخ والصديق. هو الرجل الذي من الممكن أن أتحاور معه من غير حديث، يكفيني فقط أن أتذكر ملامحه البشوشة وكلماته العذبة الصافية. بارك الله في أستاذي الذي رزقني الله به بدون توقع تخطيط. وحفظه الله لنا من كل سوء ...  


نبذة عن ا.د. طوسون مرسي في هذا اللينك. 

https://drive.google.com/drive/my-drive


مع خالص تحياتي

ا.د. محمد لبيب سالم

استاذ علم المناع

ةكلية العلوم جامعة طنطا

وأحد تلامذة ا.د. طوسون


التعليقات