إذا أتيت فتعال كلّك، وإلا فابق بعيدا بكلّك، فإنما ترتقي بقدر ما تصفو

من وصايا الصالحين، إذا دخلت على الله فادخل بجمعيتك كاملة! 

الوقوف عند كلمة "جمعية" يردنا إلى التركيبة المعقدة لذواتنا البشرية المدهشة. إننا لسنا كائنا غريبة، ولكننا قادرين على أن نصير بأطوار غريبة، فمتى نصير غريبين حتى عن أنفسنا؟!

العمل الذي نقوم به ليس في ذاته مقياسا على كفاءتنا العلمية والعملية، إنما هو "كيف قدمنا على هذا العمل ابتداء، ثم كيف أديناه تباعا"، أي أن طبيعتنا خلال زمن الممارسة -طال أم قصر- هو الكاشف لصحتنا النفسية والفكرية. 


عندما تقدم على أمر فاجمع عقلك كله، اجمع قلبك كله، لا تترك شيئا يتفلت من ذاتك عن ذاتك، قد يبدو الأمر هيئنا، ولكن عند التحقيق، فإننا سندرك كم من الأعمال كنا نؤديه ونحن نفكر بأعمال مختلفة تماما! نعقد علاقات مع  أشخاص وفي بالنا نماذج إنسانية ما زلنا نبحث عنها، ندرس دراسات بشهادات احترافية وفي داخلنا هاجس أن هذا ليس ما أريده بعد، نمارس حتى طقوس حياتنا الشخصية ، بما في ذلك العبادات، ونحن مبعثرون  في أماكن وأحوال بعيدة كلية عن لحظتنا. 

هذا التعثر في لملمة الذات، متمثلة في العقل والقلب، هو سبب الخيبات التي تبدأ داخلية ثم تنتهي على أرض الواقع فشلا في أداء المهام. 


 اقرأ القصة القصيرة التالية، واكتشف العبرة من سطورها: 


طلب مريد من أحد الصالحين أن يعلمه الحكمة ،فأمره المعلم أن ينطلق في الصحراء ويجوبها ما طاب له المقام ثم يعود . فعاد المريد بعد يوم وليلة هاربا من قيظ الهاجرة وزمهرير الليلة ووحشة الفلاة ،فسأله المعلم : أين صحفك التي دونت فيها الحكمة عن اللوح العظيم ؟ فتعجب المريد وقال : ما وجدت لوحا ولا دوّنت حكمة !! فأمره المعلم أن ينطلق مرة أخرى إلى البحر ويبحر فيه ما ارتاحت نفسه ثم يعود .فعاد المريد بعد يومين وقد أعياه هدير البحر وهيجان الموج وركوب المغامرة ،فسأله الشيخ : أين صحفك التي دونت فيها الحكمة عن اللوح العظيم ؟فأجابه المريد :ما وجدت لوحا ولا نقلت حكمة ! فأمره الشيخ أن ينطلق في البرية ويطوف بالجبال ويمكث ما أنست نفسه ثم يعود .فانطلق المريد يضرب الأرض سهلها وجبلها ،يشرب عذبها وملحها ،يعانق شجرها وشوكها ،ثم عاد بعد ثلاثة أيام . فلما رأى الرجل الصالح في هيئة المريد تغيّرا من طول السفر ؛ أشفق عليه وتفاءل أن يكون جوابه مختلفا هذه المرة ،فسأله كعادته : أين صحفك التي دونت فيها الحكمة عن اللوح العظيم ؟فقال المريد وقد انفجر منه التعب والحيرة معا :أيها المعلم ما وجدت لوحا ولا دونت حكمة ، فإن لم يكن بك طاقة على تعليمي فلا ترمٍ بي مشاقّ الأرض ، فقد ضاقت نفسي بالكون كله ؛بحره وبرَّه وسمائه وأرضه ..عندئذ قال الرجل الصالح :الآن أقمت على نفسك البينة من نفسك أنك لا تصلح لتلقي الحكمة !فقال  المريد : ولمَ؟ فرد الحكيم : لأنك مالم تتعلم أن تتفكر في صنع الله فلن تفقه حكمته !.


والتفكر هو جميعة القلب والعقل على ما نحن فيه من شأن.


التعليقات