كأني بهذا الهوس العاتي بالتكنولوجيا؛ يُقسم بأغلظ الأيمان على حتمية توفر مستحيلات ما نبحث عنه، إن لم يكن الآن فغدا، والغريب أننا ننتظر! ثم نسأل أين الإبداع؟

كان فيما سبق؛ قبل ظهور الإنترنت -أو في بدايات ظهورها-، إذا اضطُرَّ الإنسان إلى شراء شيءٍ، خرج إلى الأسواق وبحث فيها، وإذا احتاج إلى تعلم شيءٍ، توجَّه إلى العلماء وبحث لديهم، وإذا عازَ قراءةً في كتابٍ، دلف إلى المكتبات وبحث فيها، وإذا لزمته استشارة طبية، سارع إلى الأطباء وبحث لديهم، وإذا استعصى عليه شيءٌ، ذهب إلى المتخصصين وبحث لديهم.


كلٌّ منا يمر بأحوال كثيرة في حياته؛ يحتاج فيها إلى ما يلبي رغباته، ويسد احتياجاته، ووسيلة البشر في سبيل تحقيق ذلك؛ البحث والاستقصاء. و"البحث" -في هذا الإطار تحديدًا- على نوعين أو مرحلتين؛ بحثٌ لدى الذات، وبحث خارج الذات، إذ أن ما يسد احتياج الفرد قد يكمن في بعض ما لديه، فيبحث عنه في ذاته. فإن لم يكن لديه، فقد يكمن في بعض ما لدى باقي البشر، فيبحث عنه خارج الذات.

وقد دأب البشر على عادة النظر والبحث خارج الذات أولًا، أكثر من البحث لديها عن ما يسد احتياجاتهم. وللبحث خارج الذات دورته الخاصة التي تنتهي على حالٍ من اثنين لا ثالث لهما؛ إما بالحصول على ما يسد هذا الاحتياج لدى أحدهم، وإما بتوقف البحث -بعد اجتيازه عدة مراحل- دون إيجاد ما يسد هذا الاحتياج، وعند هذا الحد تنتهي مرحلة البحث لدى الآخرين، أو "البحث خارج الذات"، ومن ثم تبدأ مرحلة جديدة في رحلة البحث عما يسد هذه الاحتياجات؛ هي مرحلة "البحث لدى الذات".


جديرٌ بالتأكيد عليه؛ أن البحث لدى الذات هو الذي جعل أغلب الاختراعات والاكتشافات التي نراها اليوم -ونستخدمها منذ زمن- تخرج إلى النور، ولم تظل حبيسة المجهول، ولا رهينة العدم، ولا أسيرة عقول أصحابها، هذا لأن الإنسان يصل في وقت من الأوقات إلى حالٍ يوقن فيه -بعد البحث لدى الذات وخارجها- أن لا أحد في الدنيا يمكن أن يساعده في سد احتياجاته إلا هو بذاته، وهذا من أكبر الحوافز التي تجعل الإنسان يخرج طاقاته وإبداعاته، ويثق بنفسه ويعتمد على ذاته، عندما يوقن بأنه ليس ثمّة باب لم يطرقه، ورغم ذلك لم يفلح، فكأنه يبحث عن شيء مستحيل الوجود في نظر الجميع إلا هو، لذا يتصدى بنفسه لإيجاد هذا المستحيل.


أما الآن؛ فيكاد الإنسان لو بحث على الإنترنت عن كيفية فقس العجل، وعن مراحل ولادة الديك، لوجد من يتكلم في هذا الأمر. والأدهى من ذلك؛ أنه حتى إذا لم يجد ما يبحث عنه -وقت البحث-، فإن عادة الهوس بالتكنولوجيا وتقنيات البحث العالية، والفيضان الضخم للمعلومات والمواد المتاحة على الإنترنت، كل ذلك كأنه يقدم له الوعود والمواثيق والعهود على أنه حتمًا سيجد ما يسد حاجته، وسيلقى إجابة لكل ما يبحث عنه، إن لم يكن الآن؛ فغدًا، فبعد غد، ففي غضون أيام، فبعد عام، والعام تتلوه أعوام. هذا إن كان يبحث عما هو مستحيل الوجود، فكيف بالممكنات؟ فكيف بأبسط الأشياء وأتفهها؟ مما يغرق الكثير في البحث عنه ليل نهار.


وقد وصل الأمر إلى مرحلة خطيرة؛ هي إعاده البحث عن ما تم البحث عنه ملايين المرات قبل ذلك، فيما يشير إشارةً صارخة إلى تعطّل عقول البشر عن تخزين واسترجاع اليسير من المعرفة التي يبحثون عنها، ما حدا بهم نحو البحث عنها في كل مرة، ثم نتساءل بعد ذلك لماذا يتباطأ الإبداع؟


وكأني بهذا الهوس العاتي بالتكنولوجيا يُقْسِم بأغلظ الأَيْمَان على حتمية توفر كلّ ما نبحث عنه، ممكنًا كان أو مستحيلًا، إن لم يكن الآن فغدا، والغريب أن بعضنا من الباحثين "المساكين" نصدق وننتظر! ثم بعد ذلك نتساءل لماذا يتباطأ الإبداع؟!




ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

نعم أخي محمد .. كل كلمة تعبر عن الواقع الحالي .. أسعدني قراءة ما كتبتْ 💚🎩

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد فرح متولي

تدوينات ذات صلة