الان لم اعد صغيرة و لم يعد العالم من حولى حقيقى كما اعتدت ان اراه و لم يعد يرى اغلب الناس الحقيقة بل ما يريدونه ان يكون حقيقة.

حين كنت صغيرة كنت أرى كل شئ حقيقى، لم يكن عندى اى شك بالاشخاص و الاشياء حيث اننى على مدار سنوات حياتى صرت أفكر ان هذا هو الطبيعى، أن الانسان يقول ما يشعر و يفعل ما يحب ان يفعل دون تزييف مشاعره او تزييف واقعه.

فكلما مررت بشخص جيد قلت له مرحبا انت جميل و جيد فى ما تفعله استمر! ، بالمقابل يرد الشخص ب اننى لطيفة لقولى ذلك. و كنت اقول لنفسى و ما اللطف فى ذلك؟، أنا فقط قلت ما أراه، لم اقل سوى الحقيقة..

صار عمرى يزداد و فى المقابل صرت أكثر انخراطا بالناس حولى و صرت اتعرف على شخصيات جديدة و اتابع تطورات الاشخاص الذين هم فى دائرتى. و كنت اتعامل كما انا.. الى ان صار البعض يبالغ ب اننى لطيفة و البعض الاخر يبالغ ب إننى مزيفة! ولا اعلم على ماذا بنوا احكامهم فا أنا كما أنا لم اتغير!

دعونا نأخذ جولة عن كل هذا..

على ماذا نستند فى رؤيتنا للأشياء من حولنا؟


أرى ان اجابة هذا السؤال ستكون نسبية بعض الشئ.. و هذه فى حد ذاتها اجابة. "نسبية". حين كنت فى التاسعة عشر من عمرى كنت محظوظة كفاية لانتسابى لاحدى مبادرات التعليم القانونى فى مصر. و كان من مؤسسى هذه المبادرة قضاه. ففى احدى الندوات


قال احد القضاه: " كل ما وصل الينا فى التاريخ كذب و الحقيقة الوحيدة فى القرأن الكريم و الاحاديث الصحيحة، دون ذلك تحوير من البشر لارضاء هواهم، فالمؤرخون كانو يهابون الملوك فا يمجدوهم فى كتاباتهم و يسخطون الاعداء بشدة، فترى تاريخ البلدان ترى كل مؤرخ يمجد ملكه، الأن اين الحقيقة؟ من السيئ؟ الانسان دائما له قدرة خفية لتزييف الحقائق ليبلغ مسعاه"


استوقفنى هذا الكلام لعدة اشهر، و قلت هل هذا حقيقى؟ و الان بعد دخول مواقع التواصل الاجتماعى و توغلها داخل حياتنا صرت افهم هذا الكلام بوضوح. اصبح يستند بعض الناس فى يومنا هذا فى معتقداتهم على منشورات و عادات و فكر اشخاص اخرين لا يعلمو من اين جاء اساسهم!


تخيل معى أن يكون مصدر علم الإنسان من اشخاص اخرين مثله.. لم يصلك الامر بعد؟


حسنا دعنى اوضح..


فتاه او شاب فى سن الثامنة عشر لديه موقع تواصل اجتماعى رأى فى احدى الصفحات الشهيرة منشور يتحدث عن ان الصديق الحقيقى هو من يقبلك و يحبك و يظل معك عمرك الى اخره و اذا تعب فى يوم سيكون هذا خذلان. تخيل ان يرى شاب او فتاه هذا و يصدقو ولا يبحثو عن اصل الصداقة و اصل الخذلان و يستمرو فى حياتهم معتقدين انهم يستحقو مثل هذه العلاقة ولا يستحقو مثل هذا الخذلان!


او ذات الشاب او الفتاه شاهدو مقطع فيه شخص يتحدث عن الحب و رفيق الروح و عن اهمية القرب الدائم بين الطرفين و الاعتمادية فى اخذ كل الحب و التقدير و الحنية و اللحظات الجميلة مع هذا الشخص و بنوا حياتهم الزوجية بهذا المعتقد دون الرجوع للأصل فى كيفية معاملة الزوج و الزوجة و بناء البيت. فينتج عن هذه العلاقة شخص انانى و شخص ضحية!

للوهلة الاولى لن تصدق ان يمكن لهذا الكلام ان يحدث و لكننى اؤكد لك انه يحدث، و حين يحدث و يأخذ الشخص كلام شخص اخر و يبنى به معتقداته فى الحياة دون البحث و السؤال وراء هذه المعلومات يكون بذلك انسان قابل لكل المدخلات الغير حقيقية فى العالم.


و تنتشر مصطلحات حقيقية و لكن يتم فهمها بشكل خاطئ بعد تحويرها مثل علاقة سامة، دعم، حب غير مشروط، طاقة، رفيق روح، زواج سعيد، لغات حب، تربية ايجابية، تدين.


فترى الناس تأخذ السهل دون الرجوع للأصل فتتحول حياتهم الى مشاهدة دون فعل.


فتكثر شهرة الاشخاص الذين يتحدثون دون علم، تكثر المسلسلات و الافلام التى تكون قصصها من خيال شخص مثلك، تكثر مواقع لصور التى يصور كل شخص مثلك فيها مثاليته لا حقيقته. فتكون محاط بعالم مزيف فيه قلة فقط حقيقية..

و يتشتت الناس بهواهم. الى ان يشاء الله ان يهدى من يشاء و يرزق من يشاء البصيرة و يضع جوة كل شخص ميزان يزن به امور حياته فلا يظلم نفسه ولا يظلم الاخرين ولا يصدق كل ما يراه و يقول كل ما يصدقه، فيصير غريب بين الناس.

و الان لم اعد صغيرة و لم يعد العالم من حولى حقيقى كما اعتدت ان اراه

و لم يعد يرى اغلب الناس الحقيقة بل ما يريدونه ان يكون حقيقة.

و لكن عليك ان تتيقن ان الحقيقة لاتتغير بمرور الوقت فان كنت تاره ترى هذا حقيقى و تاره تراه مزيف فأنت تستند الى هواك ولا تدرك حتى الان معنى الحقيقة. اللهم ثبتنا و ارزقنا جميعا البصيرة.


يتبع....


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

حقيقي جدا ♥️

مقال رائع يا دنيا.. كُتب بإحسان كبير ❤️
فخور بيكي.

إقرأ المزيد من تدوينات إليك , بقلم دنيا ابو زيد

تدوينات ذات صلة