لا يختلف اثنان اليوم أن العلاقة بين الجيران في زماننا المعاصر تغيرت عما كانت عليه في الماضي, ولا يختلف اثنان أن العلاقة تغيرت إلى الأسوأ,

الجار بين الأمس واليوم:


لا يختلف اثنان اليوم أن العلاقة بين الجيران في زماننا المعاصر تغيرت عما كانت عليه في الماضي, ولا يختلف اثنان أن العلاقة تغيرت إلى الأسوأ,

فبعد أن كان الجيران العائلة الثانية لنا نقاسمهم الأفراح والأقراح, أصبح جيران اليوم أشبه بالأعداء.

فما نعيشه اليوم لا يمت بصلة لمعنى الجيرة الذي كان سائدا حتى عند عرب الجاهلية.

والأسر الجزائرية والعربية عموما أضحت تميل إلى العزلة والفردانية.ولعل الأسباب التي أدت إلى ذلك كثيرة من بينها ضعف الوازع الديني لدى الأفراد والجماعات,

والمخالطة الكثيرة التي جرت الكثير من المشكلات على أصحابها وبالتالي أدت ليس إلى تقنين العلاقات ووضع الخطوط الحمراء في التعاملات إنما عمد الجميع إلى قطع الصلات نهائيا بسبب نقص الخبرة والجهل بأبجديات فن العلاقات والتعاملات.

فكثرة المخالطة للجار وثرثرات النساء اللواتي يقتلهن السأم والفراغ, ليست أمرا صحيا في العلاقة بين الجيران وكثيرا ما تسببت بكوارث ومشكلات.

والمثل العربي يقول:( من كثر كلامه كثر خطأه). وهناك مثل غربي جميل يقول:أحب جارك لكن لا تهدم الجدار الفاصل بينكما.(مثل نرويجي) كناية عن وجوب الإبقاء على خصوصيتك, وبنفس الوقت احترام خصوصية جارك فلا تعمد إلى التدخل في حياته والبحث عن أسراره.

ولهذا باتت الأسر الصغيرة المعاصرة تعمد إلى العزلة, ونلاحظ ذلك في سلوك الزوج الجزائري الشاب, فبعد زواجه يقوم فورا بمنع زوجته من أية صلات مع الجارات تفاديا لأية مشاكل قد تحدث.

وعن هذا اقرأ القصة التي أوردتها في الكتاب تحت عنوان (1)وينسى الجميع أن قطع الصلة بالجار يزيد من مشاكل الجيرة ولا يخفف منها, وينشأ عنها نفور بين الجيران يفسد معنى الجيرة, ويخلق العداوات والضغائن, ويوسع هوة انعدام الثقة.

وفي هذا الصدد قرأت في كتاب "مميز بالأصفر" مثلا غربيا يصور هذا الأمر بعبارة بليغة وجميلة تقول:( زر كثيرًا منازل أصدقائك، فالأشواك تكسو السبل غير المأهولة وتسد الطريق).


أذية الجار من الكبائر:


غير أن ما أود التنويه إليه أيضا ما نرتكبه في حق بعضنا البعض من سلوكات منافية للقيم والأخلاق والشرع الحنيف.فلعل الإنسان المنغلق الذي يغلق بابه على نفسه, فلا يتواصل مع جيرانه أهون شرا من ذلك الجار الذي يخالط جاره أو لا يخالطه ولكنه يؤذيه بالغ الأذية بأمور تعد في ميزان الشريعة تحت بند الكبائر,

وإذا قيست بميزان العرف والقانون تعتبر من الجرائم بحق الآخرين.

إن إيذاء الجار من الكبائر، لقوله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. متفق عليه. ولقوله صلى الله عليه وسلم: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه. رواه البخاري، وفي ( صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه.(1)[1]

ولعلي قبل أن أبدأ حديثي أنوه أن الشيخ الطنطاوي تكلم عن ذلك في مقالات عديدة أذكر منها قوله:

" ولكن ما أصنع بِمَن لا يطرب إلاَّ أن أشرك معه بِسَماع الأغنية مائة جارة وجار، من أمام، ومن خلف، وعنِ اليمين، وعنِ اليسار؟ فكيف ننام، وكيف نشتغل، وكيف نخلص التَّوَجُّه إلى الله، ومِن كل جهة من حولنا، هذه المصائب الثِّقال، والضَّجَّة المروعة، وفريد الأطرش، وهذا الآخر عبد الحليم حافظ؟!"(2)[2] وقال في مقال آخر:" إن أزعج المزعجات وأشنع المصائب هذا الرادّ (الراديو). أفليس عجيباً أن أذيع فيه وأتكلم عنه؟ هذا الرادّ الذي حطم أعصابي وأطار صوابي، والذي اخترعه مخترعه ليؤذي به الأدباء وأهل الفكر، فكلما استغرقوا في أفكارهم أو طاروا في آفاق خيالهم أو نسوا الدنيا وما فيها في غمرة التأمل أو في ذهلة الإلهام، قرع آذانهم صوت الرادّ من بيت الجيران بأغنية رقيقة أو موسيقا صاخبة، أو حديثا أشد إزعاجاً وغلاظة من حديثي هذا، فطارت الأفكار وامّحت صور الخيال وانقطع الإلهام."(3)[3]

الثاني: هذه السيارات؛ إن سرت في الشارع حملتَ روحك على كفك ووضعت الموت بين عينيك، إذ تراها أمامك ووراءك وعن يمينك وعن شمالك، كأن الجميع يتسابقون إلى امتلاك مناجم الذهب" (4)[4]انتهى


ولعل واقعنا المعاصر أصبح أسوأ بسبب تلك الأجهزة الضخمة الناقلة و المضخمة للصوت, والتي تنقل للجميع بدون استثناء ما يجري في الحفلات والأعراس من ضجيج وهرج ومرج و ألفاظ و أغاني أغلبها تحت خط الحياء…

وتعطي فكرة عن المستوى الفكري و الأخلاقي لأصحابها!!فالمشاهد لواقع الحال ولما أصبح عليه المجتمع الجزائري المعاصر من همجية وانعدام اللباقة وعدم احترام الجار وانعدام الإتيكيت في هذا الباب يدرك جيدا أننا بلد متخلف تنتظره عقود من التصحيح لنصبح في مصاف الدول المتقدمة.عادات جزائرية لا تراعي حق الجار ولا المريض, ولا الطالب المتمدرس، ولا الطفل الرضيع.


تذكر الصحف والجرائد تمادي الكثير من الجزائريين في استعمال “سنيال” البواخر والأبواق والألعاب النارية وإحداث الصخب في الاحتفالات والأعراس، إلى ساعات متأخرة من الليل حتى وصل الأمر إلى إيداع شكاوى لدى الجهات الأمنية بعد أن أصبح الأمر لا يُطاق من طرف عائلات لديها مرضى ومسنّون وأطفال رضّع.فمن الظواهر المنكرة والعادات القبيحة التي فشت في أعراسنا استخدام الأسلحة النارية وإطلاق الرصاص الحي،

يزعم أصحابها أنهم بزواجهم يفرحون، وبأعراسهم يعلنون، غير مبالين بالضرر الذي يلحق بالآخرين، وأقله إرعابُ الآمنين في بيوتهم وتخويفهم، ويا سبحان الله!! أي رابط هذا بين الفرح والسرور وإطلاق الرصاص الذي قد يأتي بالضرر والشرور.إن الناس في العالم المتحضر تتفاخر بالعلم والصناعة والنظام واحترام القانون، ونحن نتفاخر بالرصاص من يطلق أكثر وأي نوع من الأسلحة تستخدم!!. وإذا كانت هذه الظاهرة منتشرة في الأرياف لغلبة الجهل، فماذا نقول على انتشار هذه العادة القبيحة في المدن في مجتمع يُفترض أن يكون متمدناً حضارياً يعاف هذه الظواهر ويمجها ولا يقبل بها؛ لأنها لا تتناسب بتاتاً مع حياة المدينة!!

.هاته السلوكيات مخالفة للعرف القانوني والإنساني والشرعي,

ولكنك حين تقدم شكوى لا تجد ردعا أو نهيا أو تغريما للظالم, وحين تشتكي هذا الإزعاج إلى الشرطة, يجيبك الضابط:

"إنها ليلة في العمر"لوكنت مكانه لتصرفت نفس التصرف", يجب أن تصبر!!!

سبحان الله, أي ليلة في العمر هذه؟ هي* ليال*

فكل شخص يقول أنها ليلة وليلة تلو ليلة، يذهب عمرك حسرات على صبرك عليهم!!!

وفي هذا قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:" هؤلاء الجاهلون المزعجون الذين لا يطربون إلاّ إن أسمعوا معهم مئة دار، لا يدرون حينما يمدون إصبعهم الواحدة فيحركون هذا المفتاح حركة طفيفة كم أطاروا النوم من رأس مريض يقاسي الآلام ويرجو لحظة منام، وكم ضيعوا على العلماء والأدباء من ثمرات العقول وصور الجمال، وكم شغلوا تلميذاً عن امتحانه، وكم جرحوا من قلوب المحزونين!"

وقال أيضا:" ولو كان سهماً واحداً لاتّقيته، ولكن جارك هذا يحب السهر فهو يفتح الراد على مصراعيه فلا يزال يجلجل ويولول إلى نصف الليل، وذاك يحب البكور فهو يقوم فيفتح الراد على مصراعيه من قبل طلوع الشمس!


ختاما:


أقول هذه سلوكيات متخلفة وعادات جاهلية منكرة, وينبغي للناس أن يبتعدوا عنها, وليس فيها شيءٌ من الخير، بل هي أذيةٌ وضرر، وإزعاجٌ وسهر، وضياعٌ لصلاة الفجر, وحرمان من قيام الليل, وتضييع لجهود العلماء والمفكرين والطلاب النابهين المجتهدين والأدباء الملهمين.

#شمس_الهمة





ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات أمال جزائرية

تدوينات ذات صلة