فيما وراء الحب تضوي أحلام، تضطرب مضاجع، وتهدأ نفوس، وتموت أخرى عشقًا

 

  على جوانبِ الطريقِ الطويلِ تتمايلُ أعذاقُ النَّخلِ، نَمْضِى منفردين شاردين قاطعين أَدْهَم الليلِ، نرنو إلى أناشيد النُجُوم للقمرِ البَهِيجِ، وعند المفترقِ تلتقي الأرواحُ دون أن نتلاقى وتتلامسُ الأيادي دون أن نتلامسَ، تَرّتًفِعُ عَراجينُ النَّخلِ المُحملَة بثِمارِ المحبة تبجيلًا، يُسدِلُ السِّتارُ عن النَّرْجِسِ والياسمينِ فتفوحان بأريجهما مُداعِبة أرنبةَ الأنفِ فرحًا، تُحلِقُ عصافيرُ الجِنان مُزيِّنة السماءً القِرْمِزيّة، يَحمِلُ طائرُ الوروار تاجَ الهيامِ الأبديّ، يُحيطُ بالأعناقِ عِقد الشوقِ حاملًا أذرُعًا مُحتضِنةً صولجانَ الحبِ الأزليّ.

  قوسُ قُزَح يُزينُ مُنتصَف السماءِ ناضحًا بألوانه، ويختفي الليلُ وينسحبُ ببطءٍ مُصاحبًا أحزانه، تتهيأ الأرضُ بعيونِ محبتها، تنتصرُ غوغاءُ القلوبِ على حكمةِ العقولِ لشدتها، تًنفجرُ عيونُ المستقبلِ بفيضانِ الأملِ المزدهرِ، وتنشقُ سماءُ البؤسِ بسحابِها المُكفهرِ، تُترك الأعين -دون لقاءٍ- تتحدثُ وتُعبِرُ كيفما شاءت، وتَمُوجُ قلوبُ العاشقين في ضلوعٍ استاءت.

 

تتسارعُ الأنفاسُ وتتباطأ مُختبِئةً خلفَ ابتسامةِ رُسمت على شِدْقي مُحبَيّن، وتَخضعُ العقولُ لنسيمٍ معطرٍ بشَبِقِ حُبٍ عَظُمَ، نتلاقى بعد صبرٍ أزاحَ صبارَ الخُذلانِ وجيفته، تترطبُ القلوبُ الجافةُ بمحبته، فنختَلِسُ النظراتِ، وتتلعثمُ العباراتِ، نتجرعُ بنهمٍ دماءَ القلبِ خمرًا في كأسٍ من ياقوتٍ وذَّهَبٍ، نمضي مرحين منتشيّن بعَبِقٍ خاطفٍ غير مصدقين بأن الشقاء ذَهَب، ننزِعُ الضلوعَ وردةً نُهدِيها، ونأخذ من الفكرِ خواطرًا نَتغزلُ بها، نُحول الأصابع شموعًا مضيئةً، نُحاولُ بها جاهدين محو أي خطيئةٍ.


  أوَلَّت الأيامُ ومَضت أَمْ أن انبهار البدايات قد بهت؟ نتباعدُ بمسافاتٍ تفوقُ ما بين المجرات، فيصبحُ رابِطُنا ذِكرى النظرات، نستسمحُ الأرضَ والظروفَ بمرةٍ أخرى نُعيدُ بها الكرة ونتيقن مما كان وما سيكون وما لم يكن ولو كان فكيف كان يكون، فتراودنا شكوكٌ حول ما فات فربما مات، مُتوهِمينَ بأملٍ خافتٍ بعودةِ زمانٍ يجعلُنا ناطقين كلمةً لولا خمراها لنُطقت، مُتعجِبين كيف طوى صفحاتِ الدهرِ بانقلاباته؟ فقَطَعَ نَّوْطَ القلبِ الخفاقِ، وأطفأ نور العين البراقِ، وشَحَبَ لونّ الوجهِ النطاقِ، مُتسائلين أأصبح الوادعُ ضرورةً مَحتومَةً؟ هل تمر السنواتُ ويتحولُ الشعورُ لنًّقِيضِه من كثرة فَيْضِه بداخلِ مُضغةٍ رفضت تَصديقَ حتمية الرحيل المَذمُومَة!

 

  هل سنلتقي غدًا؟ وإذا لم يكن غدًا فهل سيكون اللقاء بعده أكيد؟ نتقابلُ ونَسمعُ أصواتَنا حتى لو تدللت همسًا من بعيدٍ؟ نخطو تجاه أنفسِنا فنعودُ بعدها من جديد، نُزرَعُ كالبذور بداخلِ بعضنا البعض، ونَقطعُ وعودًا ونمحو ما جاءَ من بُغْض، ونُترك نكبرُ كيفما نشاء بداخل أنُفسِنا، ونتوه فيها ونبوحُ حينها بما أخفينا.   


  عُدنا فأبى ناَّمُوسُ الحياةٍ بسُلْطَانِه، فلم تتلاقَ الأرواحُ بالرغم من تلاقي الأجسادِ، ولا معنى لتلامُسِ الأياديّ رغم تشبُثها، الأعين لا تتحدثُ صامتةً بجانب كثرة لغو اللسانِ، اُسْتُبدِلت الزهورُ بجماجمِ الوحدةِ، وتغيرت النفوسُ وعَطُنَت، أحدُنا قد تغيرَ، تغطرسَ وتكبرَ، تموت مشاعِرُنا، وتهدأ أنفُسنا، وتستقر أمواجُ الغرامِ على شواطئ أشواقنا، فُقنا من خمرٍ تلذذنا بها من دِمائنا، الزمانُ انسابَ بين حصونِ القلبِ، تسربَ الملل فتمكن من الحب المُنقلبِ، نستكين ونضعف ونهون، فنَذْعِنُ أن ناَّمُوسَ الحبِ الذُلُّ، وما الحبُ إلا إهانةٌ للمُحبِيّن من المُحبُوبِين! فنَزْعَمُ أن من جَرَبَه انتكسَ، ومن امتنع خابَ، ونُدرِكُ أنه ليس براحةٍ للجاهلين ولا بلذةٍ للعارفين.  


إقرأ المزيد من تدوينات عبدالرحمن لطفي

تدوينات ذات صلة