لم تعد معرفة الذات عمل ترفيهي، في الوقت الذي أصبح فيه التغيير هو الثابت الوحيد أكثر من أي وقت مضي.

إذا سألتك من أنت بماذا ستجيب؟ ممكن تقول لي اسمك و ماذا تفعل حاليا فتقول أنا طالب جامعي أو طالبة مدرسة و ممكن تقول لي أنا ريادي أعمال أو ربة منزل أو باحث عن وظيفة و ممكن تضيف على ذلك فتقول لي ما هو مسقط رأسك و مع أن هذه الأدوار أو التعريفات تتحدث عنك إلا أنها لا تكاد تلامس الحد الأدنى من تعريفك لذاتك.


و إذا اعتبرت أن سؤال "من أنا"سؤالا فلسفيا لأن ليس له اجابة ثابتة، فأنا أوافقك بأن تعريفنا لذاتنا غير ثابت و متغير مع الزمن لأن الحياة متغيرة و بنفس الوقت سأختلف معك لأقلك أن هناك حد أدنى من معرفة الذات يؤهلك من خوض الحياة بثقة و توازن.


و ما أقصده بالحد الأدنى من معرفة الذات هي معرفتك نقاط قوتك ونقاط ضعفك و معرفتك لأهدافك في الحياة و معرفتك لصدمات الطفولة التي شكلت جزء كبير من استجابتك الحالية و ردات فعلك تجاه أحداث حياتك.


لماذا نجد صعوبة في الجواب على سؤال مثل من أنا وشبيهاته من الأسئلة ؟ هل لأنه قيل لنا من نحن و حددت الكثير من ملامح شخصيتنا منذ ولادتنا ؟ام لاننا في عالم متسارع التغيير لدرجة اننا عندما وصلنا لمكان اعتقدنا فيه اننا وجدنا انفسنا، اكتشفنا اننا بالكاد اننا نعرف أي شيء بسبب سرعة التغيير؟ أم بسبب اننا حقا لم نبذل الجهد الكافي لنعرف انفسنا؟ أو أن السبب جميع ما ذكر ؟ 


و في الوقت الذي قد يكون ليس لدينا تحكم بطريقة تنشئتنا التي ساهمت في تشكيل هويتنا ولا بسرعة التغيير في العالم فإن الوقوف لمعرفة الذات و بذل الجهد لذلك هو مسؤوليتنا.


إن الإجابة على سؤال مثل "من أنا" ليست بديهية للكثير منا و تحتاج منا تجارب و جهد و نضج معين للوصول لجواب حقيقي.


ليس فقط ذلك بل إننا الآن في وقت أصبحت السرعة في إعادة تعريف نفسك و عملك و علامتك التجارية  مهارة أساسية حين أصبح التغيير هو الثابت الوحيد أكثر من أي وقت مضي، و عليك ان تكون في توقع مستمر للتغيير وليس معرفته حيث أنه لا أحد يعرف  حقا ما هي طبيعة التغيير القادم. و لقد أصبحت مهارات مثل المرونة و الحفاظ على توازنك المشاعري و درجة التوتر التي تتعرض لها في ظل عالم متغير مهارات أساسية للاستمرار والبقاء و الفترة التي تعيشها حاليا في العام 2020 هي أقوى دليل على ذلك.


و المثير في الموضوع ان لا شيء من هذه المهارات المطلوبة و غيرها الكثير تم تعليمها لنا في أي مرحلة من مراحل دراستنا و المحظوظ منا من كان والديه او مربيه على اطلاع ووعي بمثل هذه المهارات.


و حيث أن هذه المهارات المهمة  الآن تعتمد على الحظ و ما إذا كنت قد تواجدت في مكان طرح مثل هذه المواضيع أو حتى من خلال كتاب تطوير ذات وقع صدفة بين يديك و شجعك على إكمال طريق معرفة ذاتك فإنه بالنسبة للتغيير القادم لا يمكن ترك معرفة هذه المهارات للجيل القادم للصدفة ! 


حسب المنتدى الاقتصادي العالمي وحسب إعلانه للمهارات الاكثر طلبا للعام 2020 و بسبب سيطرة الأتمتة القادمة فإن مهارات مثل الذكاء العاطفي و اتخاذ القرارات و حل المشكلات و التفكير الإبداعي و المرونة المعرفية  و غيرها تصدرت القائمة . و جميع هذه المهارات تحتاج الحد الأدنى من معرفة الذات و النضج العاطفي و التوازن.


لماذا عليك معرفة نفسك جيدا؟  لأنه و في  عالم متسارع التغيير كما قلنا و اذا لم تكن على علم بذاتك و ماذا تحب وماذا تكره ستسبقك شركات مثل أمازون و جوجل لتعرفك على نفسك وإذا لم تكن على دراية و لو قليلة بذاتك عندها من الممكن ان تعتقد ان ما يتم اقتراحه عليك هو انت  و من الممكن ان ترتاح بعدها لهذه القيادة الخارجية لذاتك لكنك عليك ان تكون مستعد لأي قرار خارج عن نفسك لانك اعطيت التحكم لغيرك.


 علوم تطوير الذات ما هي الا تعلم قيادة نفسك و معرفة من أنت حقا بعيدا عن أي برمجة اجتماعية او ثقافية او حتى تقنية . اذا سألتك الآن بالتحديد ماذا تحب ان تعمل اليوم؟ أو ما هي أهدافك في الاسبوع القادم هل ستجيبني بماذا تحب ان تفعل حقا ام انك ستنسخ فكرة ما تعتقد انها انت؟ و عندما نتحدث عن مثل هكذا قرارات فان اخذ القرارات الصغيرة هي مؤشر للقرارات الكبيرة و عندما تكون أو تكونين ذو دور قيادي في شركة كبيرة او عندما تكون ريادي اعمال او حتى ربة أسرة فان القرارات التي تقررها أو تقررينها لن تؤثر فيك فقط بل سيكون لها اثر على كل من هم في دائرتك و إذا كانت قيادتك خارج نفسك فانك لن تكون فقط عرضت نفسك لنتائج عشوائية بل أيضا كل من يتأثر بقرارك.


إن لم تكن قد بدأت في رحلة معرفة ذاتك فإن الآن هو الوقت الأفضل لتبدأ هذه الرحلة العميقة والمثيرة في نفس الوقت، ابدأ بالمصادر المتاحة الآن (و ما أكثرها) و توسع بالتدريج فأفضل استثمار في عالم متسارع هو الاستثمار في نفسك.





التعليقات

Shahad Alkahtni ٢٧ اذار ٢٠٢١

الله علكلام الجميلل خلاص انتي شجعتيني اني اعرف ذاتي وهدفي فلحيله انشاء الله ماراح ارجع لهتعليق الا وانا عارفه هدفي فلحياه وذاتي وشكرااا عى تشجيع الجميلل .

Ragad Ragad ٢٢ اذار ٢٠٢١

الي جاي من التك توك ههههه

Malika Loulida ١٣ اذار ٢٠٢١

جميل جدا، في الحقيقة أنا لا أعرف من أنا

نور الدين السافي ٢٣ شباط ٢٠٢١

مقال جميل. واود القول بالمناسبة اننا لما نعيد النظر في صيغة السؤال سنعيد كتابة المقال. سؤال من انت ليس سؤال من انا. والمقال يتحرك بينهما وكانهما واحد. وسؤال من انت هل يبحث عن حقيقة الذات ام الفرد ام الشخص ام الانسان بشكل عام. ان صيغة طرح السؤال توجه العقل لاتخاذ مسار في التفكير قد لا بنتبه اليه واضع السؤال نفسه. جميل ان تطرح هذه المسائل وجميل ان نتفاعل معها ايجابيا لانه جميل ان نفكر لانه ليس لنا من سبيل لمعرفة انفسنا غير باب التفكير. شكرا جزيلا لصاحبة المقال الجميل.

Adib Ghazi ٢١ كانون الثاني ٢٠٢١

رأي ملهم 🤝

رنا العبادي ٢٨ كانون أول ٢٠٢٠

👍👍👍☺