في فترة الحجرِ والوباء ترى الناسَ يُقسّمون أفواجًا فمنهم من يأخُذ سجادتهُ ويعكُف في محرابهِ يدعو،

ومنهم من ينعزلُ في إحدى الزوايا المُعتمةِ ينتظرُ أملاً راجيًا أو لأنهُ لا يملكُ شيئًا إلاّ أن ينتظر، تجدُ الواحد فينا يُفرغ أكوام الضغط والتعب و الفشل و اليأس في هذهِ الوحدة المفروضة فتُفتح -طاقةُ - علي بابا التي في محاجرِ أذهانِنا بعد أن كانَ واراها الزمنُ وعرجَ فوقها حتى بتنا كُلنا عِوجًا، فيخرجُ منها ما يلتهُمنا ونحنُ قعودٌ نُحدقُ في مرآيا صورنا.

وهناك الفوجُ الذي اختارَ رغدَ الحياةِ مما قد طالَ فيُشاهدُ مسلسلاً تلو الآخرِ و يقطعهما بفيلمٍ ليخففَ عن نفسهِ الملل، فتراهُ يضحكُ ويبكي بحرقةٍ ثم يصرخُ في ذات الساعةِ وعلى نفسِ الموطئ .

وقد كُنت لاحظتُ أمرًا ألفتُه وأنا اتنقلُ بينَ هذهِ الأعمال الفنيةِ الدرامية التي تشغلُ الوقت، غير أن نهايةَ الأسى تكون سريعة إما سعيدةً فتكون غير منطقية بعد أن جبت فيها أيامًا عجاف ثقيلة حتى أهلكت صاحبنا البطلَ، أو أن تكون حزينةً فتُحتِّم على عقولنا نسج أحداثٍ مأساويةٍ أُخرى فنشقى بها .

وبعيدًا عن هذا المُؤلّّف كله، فإن الذي يتحدثُ باسم الكوادرِ بعد نجاح العمل وازدهاره في بيوتنا يقولُ كلامًا نمطيًا اجابةً لسؤال " عن ماذا يتكلم المسلسل ؟ ما قصتهُ ؟" فيبدأ بعرض أحداثٍ طويلةٍ تلمُ كُل جوانب الحياة أو على قدر ما طالت منها ! وهذا كُلهُ كذب، أو على الأقل من النسبةِ التي لا بأس بها التي أعرف . فمثلاً، كيف لشخصٍ واحدٍ أن يتحمل كُل المصائب التي كتبها المؤلف لهُ ؟ أو أنّى لشخصٍ واحدٍ أن يكونُ محاطًا بكل ذاك الترف والزخمِ من السعادة والهناء ؟

والأهم، إن حيواتنا مكونةٌ من مجموعةِ أحداثٍ تحصلُ من خلاِ نسقٍ مُعينٍ بخطواتٍ دقيقةٍ محسوبةٍ وموزونةٍ كوترِ الآلةِ إذا زاد صوتُ أحدها على الآخرِ بحدةٍ ولو خفيفةٍ فإنها ستُفسدُ لحنّ أُغنيةٍ و صاحبُ الأُذن الموسيقية سيعرفُ من أولِ مرة، فما بالك بالذي نساهدهُ على شاشاتنا ؟ الذي يُعرضُ كأنما يصفُ مُشكلةٍ واحدةٍ كمحور الكونِ فيهلكنا بها على مدارِ ثلاثينَ حلقةً و مؤخرًا حتى مِئة حلقة أو يزيد، كلها على ذات النسق إما الحَملُ والانجاب وكيف يُحاصر المرأة ويقيمها بناءً عليهِ ويجعلُ منها آلةً إن أوفت ما عليها من عدد بنين كانت الست المُعززةَ المُكرمة بينَ قريباتها وإن لم تحصل على تلك الشهادة نفدت دموعنا على دموعها وتراها حزمت أمتعتها وغادرت وأُسدل الستارُ ونمنا مكرهين في تلك الليلة .

إني لا أقولُ أن الشخصَ منا لا يحملُ همومًا تحدُ حياتهُ لكنها خياراتنا نحن ! نحنُ من يحددُ كم يبقى أثرهُا علينا أو فينا، وماذا تحدُ من نشاطاتنا وعلاقاتنا،

كُلنا نعيشُ في اختبارٍ ونسعى لدرجة كُلٌ منا يبذلُ ما يبذل ويطيق ما هو على قدرهِ ويُمتحنُ، وعلينا كُلنا بلا استثناءٍ الصبر فالذي يُميزنا هو بضعةُ أعمالٍ ووريقاتٌ وما تُخفيهِ قُلوبنا من تُقوى وما يُرى بفعلنا وهذه المُفاضلة والتميُّز عند المُمتحِن لا عنّا يرعاكم الله فعيشوا حياتكم .


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات خُزامى بركات،

تدوينات ذات صلة