ملخص آخر لمحاولة قياس عُمق هذا الكتاب وما فعله بي..


“أيعقل أن شخصاً مثقفاً واعياً لم يطالع هذا الكتاب؟”


في الحقيقة يتميز الكتاب بعُمق وكثافة معانيه، مع ده كلو في رأيي يعني ؛ فضل الحصول على الكتب الرائعة مرهون بالبحث والمصادفة معاً ، وبعد كده ؛ انت وحظك تاني!


حسناً..

القدرة على التعايش ؛ كأسلوب حياة قيمة عظيمة يعني ، حاجة لا تقدر بثمن صراحة! حيث ممكن أنو نصف التعايش هادا مع مواجهات الحياة ومصاعبها اللي كلنا بنمرّ بيها بشكل دوري وربما يومي!! بأنو نظرة واعية للأمور بعيداً عن التعقيدات والقلق، وامتلاك لقوة الإرادة اللي بتعزز لينا عملية التكيف والتجديد، ومن وجهة النظر البيولوجية الطرح ده يُقام على أنه العامل الحقيقي للصحة وطول العمر، يعني انو التعامل مع التغيرات السلبية المفاجئة بطريقة إيجابية ؛ بعيد عن رد الفعل الممثل في الكآبة اللي بتمنع نشاط العقل الواعي وبتشوش لينا الإدراك، دي من شأنها أنو تمنحنا الاتزان اللازم لمواصلة الحياة، لكن بعض تجارب الحياة تتفرد باستثنائية عشان تتصنف بإنها أبعد من كونها تجارب تمر بمعظم البشر.


هنا ورّانا الكتاب في أسطر بأنو الإنسان اللي يجد في مسيرتو معنى أو هدف يسعى إليه، فإن وجودو يصبح ذا أهمية حقيقية، وتستحق حياتو أنها تعاش، وبالتالي فهو يسعى لاستمرارها والاستمتاع بمغزاها، ففي حياة ابعض الناس كان المعنى بتاعهم هو المشاعر البحملوها جواهم وتربطهم بالآخرين ، وناس تانيين كانت الموهبة ، وهناك آخرون اتمسكوا بالذكريات وخلوها معنى لوجودهم، والبعض وجد المعنى في العطاء.. على المنوال هادا يمكننا القول إن الحياة تحمل زخماً لا منتهي من المعاني ، لكن سر التفاوت في نجاحنا حيال فهمها واستقرائها، وغاية الاستفادة من آثارها ومنحها بما ينعكس بإيجابية على الحيوات التي نعيشها، هو إدراكنا الحقيقي للمعاني دي وقوة تمسكنا بيها محل ما وجدناها!


يقول فرانكل: (إن الوجود الإنساني هو بالضرورة تسامٍ بالذات وتجاوز لها، أكثر من أن يكون تحقيقاً للذات؛ لأن تحقيق الذات ليس هدفاً ممكناً على الإطلاق، وذلك لسبب بسيط وهو أنه بقدر ما يسعى الإنسان إليه بقدر ما يخفق في الوصول إليه) لماذا؟


انا برضو سألت نفسي السؤال ده، فقادني السؤال لسؤال آخر، أليست ذواتنا في وجودها المدرك مجموعة مستمرة من الأهداف، والآمال، والأماني كلما بلغنا أحدها قادنا بالضرورة لآخر، دون أن يلوح في الأفق أي تصور للنهاية، عدا تلك النهاية الحتمية المؤجلة التي يدركها العقل ويستبعدها على الدوام. إن الحياة الإنسانية برمتها تتردد بين مشاق الضيق والملل، فبتصنع لنفسها سبلاً لما يسمى بتحقيق الذات لكن لا تنتهي بحال، لكن برضو بتتبلور في مكون واحد يمكن أن نسميه المعنى من الحياة، أو المعنى لأجل الحياة، ولأن هذه الحقيقة تتسم بالهُلامية إلى حد ما ؛ فإن تجاوزها إلى الحقائق الأكثر ثباتاً والأقدر على الدعم والمساندة أجدر بالحاجة اللي يُفترض نحن نعملها.


لكن المشكل على الفكر الذي يتطرق له الكتاب بتفصيل أكثر، إنه في لحظة ما من ثقل التجارب المريرة قد يفقد المرء ذاك المعنى فيفقد بالتالي أسباب الرغبة في الحياة، ويقع فريسة اليأس، هنا يقدم فرانكل طرحاً آخر للعلاج بالمعنى؛ حيث يوجه الإنسان إلى البحث عما تطلبه منه الحياة، لا ما يطلبه هو منها؛ ليتسع المعنى ويغدو أكثر شمولية، حين يضعه أمام مسؤوليات جديدة غير مألوفة لديه، فيصبح جديراً بالمعاناة التي يعيشها، عندما يتمكن من تجاوز قدره الخارجي، ويعلو فوق متاعبه الشخصية.

إن تجربة معسكرات الاعتقال على ضراوتها، تؤكد حقائق الحياة كمجال اختياري متسع، بأن الإنسان الذي يحمل في سلوكه طابع الشر والخير، هو ذاته المسؤول الحقيقي عن طريقو تجاه مسؤولياته، وأن ما ينتج عنو من تصرفات تكون رهناً به في ذاته!! ما بظروفو اللي يعيشها، وإن مقدار الحرية النفسية التي نعيش بها ومصداقية تقييمنا للأحداث والأشياء، متوقفة تماماً على تحررنا من الآثار والأحكام اللي اترسخت لينا عن تجارب الماضي،ونشوفها كأنها خطوات ارتقت بينا لدرجة ارفع بس كده، على النحو ده فإن الأشخاص الذين يمتلكون القدرة على إبقاء الوعي والإدراك مفتوح ، لتأكيد الثوابت التي يؤمنون بقيمتها، والتعامل مع الحقائق والمتغيرات بكل صدقها وثقلها ، هم ذاتهم اللي بتميزوا بطريقة تحليل فذة في مجمل ما يتلقاهم من الأحداث، لأنهم ببساطة ما بصدرون أحكامهم جزافاً، بل هم أبعد ما يكونون عن التهور.


* “الإنسان يبحث عن المعنى” اسم لكتاب يحمل دراسة فريدة موغلة في العمق، عن تجربة الحياة في معسكرات الاعتقال النازية، لصاحبه الدكتور فيكتور فرانكل أستاذ بجامعة فيينا ، كتاب عميق ، مُلفت، ممتع ، أنيق جدًا في معانيه حتى على مستوى الترجمة!

* فبتمنى أكون قدرت أصيب مرمى عقولكم ، وأفدتكم بما ورد في الكتاب ولو قليلاً ، وجزاكم الله كل كل خير.

الإبــاء..

ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

شكرًا على المقال
تحمست جدًا لقراءة الكتاب

إقرأ المزيد من تدوينات الإبــاء..

تدوينات ذات صلة