المؤثرون في زمن الكورونا - طريقك السهل لتكون مشهوراً!


"ملهم أم كورونا؟؟"


هذا هو السؤال الذي أصبحت أسأله لنفسي كلما رأيت وجهاً جديداً قد ظهر على السوشيال ميديا في الشهور الأخيرة..

هل هذا شخص لديه شيء أصيل ومحتوى مختلف يود تقديمه، وقيمة أو معنى يحاول إيصاله للمشاهدين؟ أم أنه أحد هؤلاء القافزين على موجة الرعب من الوباء، والمزاحمين بأكتافهم لاستغلال خوارزميات السوشيال ميديا المعقدة ليظهر أمام الناس مستفيداً من حالة الرعب العالمية التي تجعل كل البشر تنقر لا إرادياً على أي محتوى به كلمة "كورونا" يظهر أمامهم، في محاولاتهم المحمومة للبحث عن معلومة حقيقية مطمئنة تساعدهم على النوم قريري الأعين حالمين أن هذا الكابوس غدا سينتهي، أو تساعدهم على الأقل في وقاية أنفسهم وأحبابهم منه.


وهنا تكمن الأزمة الحقيقية لدينا، و التي تتفاقم كل يوم.


إنها ليست وباء الكورونا أو غيره، ولكنها "وهم التأثير" أو "وهم صناعة المحتوى" والذي أدى إلى ظهور عشرات أو مئات المدلسين الذين يبيعون الوهم للناس مقابل شهرة سريعة ومجد زائف ليس له أساس، و أدى إلى ظهور عشرات من "علماء وخبراء السوشيال ميديا" الذين لايزيد "علمهم الغزير" عن مشاهدة بعض الفيديوهات المترجمة، ثم يقومون بتسجيلها بطريقتهم الخاصة، مع إضافة بعض الإثارة والتشويق، ولا مانع من التدليس والكذب إن كان سيساهم في الانتشار. طبعاً هذا بخلاف غرق ملايين الشباب وصغار السن في أحلام النجاح على السوشيال ميديا، والغوص في أفكار الثراء السريع الوردية الزائفة، ونتيجة لذلك تضيع أعمارهم وطاقاتهم في "اللاشيء".


في الحقيقة، وطننا العربي غني جداً بالشباب الملهم الذي يغير أفكار غيره ويؤثر على حياتهم، ويُعديهم - إن صح التعبير - بنجاحاته و إنجازاته وأفكاره الأصلية المتفردة والجديدة، والتي تؤدي لحدوث تغيير حقيقي في المجتمع أو في الحياة الشخصية لأفراد هذا المجتمع. وهؤلاء هم من يصطلح على تسميتهم "المؤثرون" أو "مؤثرو السوشيال ميديا".


وهذا طبعاً لا يحجب حق بعض المفسدين للذوق العام أو للقيم الراسخة في المجتمع في أن يطلق عليهم أيضا "مؤثرين"، فبالفعل هم مؤثرون في المجتمع، وتستطيع أن ترى بصمتهم السيئة واضحة على الشباب الأصغر سناً، سواءاً في ملابسهم أوحركاتهم أوكلماتهم التي يخترعون الكثير منها، بل وحتى نوعية الأغاني والموسيقى التي يستمعون إليها والتي لاحقاً تصبغ المجتمع كله بصبغتهم. لكن الحقيقة الواضحة - شئنا أم أبينا - هي أن تأثيرهم الملموس بالمجتمع ربما يكون أكثر من تأثير "المؤثرين الإيجابيين" إن صح التقسيم.


إذن، فكلا الفريقين مؤثر، سواءاً كان هذا التأثير بالإيجاب أو بالسلب، ولكل منهم دوائر تأثيره التي تصدقه وتؤمن بما يقوله أو يكتبه أو يفعله أمام الكاميرا، وهذه طبيعة الأشياء ولا أظن انها هي المشكلة، فلطالما تواجد الخير مع الشر. ولكن المشكلة هي تواجد الفئة الثالثة التي لم تصل حتى إلى أن تكون مؤثرة بالخير أو بالشر ولكنها تحاول أن تلحق بركب المؤثرين المشاهير بأي طريقة كانت لتحصل على جزء من الكعكة التي يرونها مغرية.


فينام ويصحو الملايين من الشباب في الوطن العربي وكل همهم هو ماذا سأكتب في البوست القادم على فيسبوك، أو كيف ستكون قصتي القادمة على إنستاجرام أو ماذا سأقول في الفيديو القادم على يوتيوب.. ما هو الموضوع الذي يتحدث الناس عنه الآن أو ما هو "التريند" اليوم؟


لقد أصبحت مواكبة "التريند" صناعة رائجة، ولها محركات بحث متخصصة وإحصائيات حية تخبرك بما يتم البحث عنه ومشاهدته في كل مكان من العالم على حدة. أصبحت أيضاً هناك آلاف من المواقع التي ترشدك إلى ما يجب أن تفعله لكي يظهر محتواك في مقدمة نتائج البحث، ومايجب أن تقوله عند الحديث عن أي تريند وكيف تستعمل خوارزميات السوشيال ميديا ليكون محتواك في المقدمة ويحقق أعلى مشاهدات حتى لو لم يكن حقيقياً أو مفيداً أو ذا قيمة. يفعلون هذا سواءاً عن طريق استعمال العناوين المؤثرة أو الصور المصغرة الغريبة أو المثيرة أو الكلمات المفتاحية الأكثر بحثاً أو "الهاشتاجات" أو غيرها من ألاعيب السوشيال ميديا.


ليس المهم ما تقدمه، المهم أن يحقق مشاهدات عالية.


طبعاً النتيجة هنا أن كل من حصل على كورس أو دورة في التغذية يصبح كل همه هو أن يصنع منها محتوى يقدمه وأن يصبح لقبه التالي هو: "خبير التغذية". بالمثل فإن كل من شاهد فيديو عن كيفية التصوير يحصل تلقائياً على لقب "خبير التصوير" ويبدأ قناة على يوتيوب لتعليم الناس مهارات التصوير، وكل من اشترى هاتفاً ذكياً فلابد أن يقوم بتصوير فيديو "الفتح أو الأنبوكسنج" عله يجلب بعض المشاهدات، ولعل الحظ يحالفه فيصبح "الخبير التقني" صاحب أشهر قناة في العالم في التكنولوجيا وينهل من أموال إعلانات شركات الهواتف الذكية التي ستغرقه إغراقاً! على الأقل هذا ما يحلم به ليل نهار!


أصبح لدينا الملايين من "صناع المحتوى" حتى و إن كان الكثير منهم بلا محتوى، بل وربما أصبح عدد صناع المحتوى أكثر من عدد مشاهدي هذا المحتوى. وربما إذا استمر التصاعد الحالي فسيكون لدينا من "اليوتيوبرز" أكثر ممن لدينا من مشاهدي قنوات يوتيوب! وتحضرني هنا جملة الفنان المصري القدير "توفيق الدقن" التي قالها منذ عشرات السنين ساخراً من مشهد عبثي كهذا قائلاً "لما الناس كلها عايزة تبقى فتوات.. إمال مين اللي هينضرب؟!"


وخطورة هذا الأمر شديدة. ليس فقط لانتشار الغثاء واختفاء المحتوى القيم في غمرة هذا الطوفان الزائف، ولكن لأن ملايين الشباب - وخصوصاً صغار السن الذين لم يكملوا تعليمهم الأساسي بعد - قد أصبحوا فجأة يتصدرون المشهد كدعاة ومعلمين وواعظين وخبراء ومستشارين وأحيانا لابسين ثوب العلماء وأساتذة الجامعات! و لا أجد وصفاً لخطورة هذا على هؤلاء الشباب أنفسهم أفضل من مقولة الإمام الشافعي الشهيرة: "إذا تصدر الحدث.. فاته علمٌ كثير"


لنأخذ الكورونا أو كوفيد19 كمثال.

كورونا هي أسخن موضوع على الساحة العالمية حالياً، أو بلغة الانترنت هي "التريند" الرائج والذي يضمن لأي شخص يتحدث عنها أن ينتشر محتواه انتشار النار في الهشيم.


أتفهم طبعاً أن يخرج علينا أطباء وممارسون صحيين وعلماء من كافة التخصصات ليتحدثو عنها، ربما رجال دين و سياسية و اقتصاد أيضاً لأن الوباء له تأثير يمس كل هذه النواحي بشكل أو بآخر. ربما أيضاً يمكن لكل مريض أصيب بالمرض أن يحكي قصته ونصائحه باعتباره قد مر بالتجربة. الشخصيات المشهورة في المجتمع يتوقع منها أن تشارك آراءها باعتبار أن جماهيرهم ستحب أن تسمع رأيهم في الأمور الكبيرة، وإن كان لا يغيب عن ذهني هنا أحد الأمثلة المضيئة للشخص المتعلم الذي لا يتحدث إلا في حدود علمه ومجاله لكي لا يضلل غيره، وهو مدير نادي ليفربول الإنجليزي (يورجن كلوب) في الفيديو الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي حين رفض إبداء نصائحه أو رأيه في الأزمة الصحية الحالية عندما سٌئل عنها، وطلب غاضباً من السائل أن يرجع للمختصين فقط، وألا يسأل مدير نادي كرة قدم عن أمر طبي!


هل هذا هو ما يحدث في عالمنا العربي أيضاً؟ أم أن ملايين الأشخاص في الوطن العربي قد تحدثوا عن الكورونا في الفترة الماضية وظهروا في صورة الخبراء بعد أن قرأوا كلمتين أو شاهدوا مقطعي فيديو؟


انا هنا طبعاً لا اقصدا من يكتب بوستا على فيس بوك يتحدث فيه عن رأيه أو قناعاته أو يناقش الموضوع مع أقرانه أو يطمئن أحبابه أو عائلته.. فالتعبير عن الرأي كان وسيظل حقاً لكل إنسان .. لكني اتحدث عن هؤلاء الذين قرأوا بعض المعلومات في عجالة ليجمعو كل مايمكن جمعه ليضعوه في فيديو سريع يتم نشره أثناء "التريند" في موضوع حساس ودقيق و بعيد كل البعد عن مجالاتهم وتخصصاتهم.. ثم ربما أضاف بعضهم بعض التوابل للموضوع أو للعنوان ليجعله شيقاً ومغرياً للقراءة أو المشاهدة حتى إن كان يفتقر تماماً للصحة، بل حتى وإن كان مدمراً للصحة!


في المدونة القادمة بإذن الله سأوضح لكل من لديه الشغف ليكون مؤثراً على السوشيال ميديا، لكنه لا يستطيع أن يجد المجال المناسب أو يعاني من أجل الوصول للجمهور، سأوضح لك كيف تختار المجال الذي يضمن لك أفضل نجاح حقيقي ، ويجعل وجودك على منصات السوشيال ميديا ذا قيمة حقيقية ويفيد متابعيك كما يفيدك. هذا طبعاً بشرط أن يكون دافعك هو الشغف والنية الصادقة لتغيير المجتمع وإضافة قيمة للمجتمع من حولك. أما لمن تحركهم أحلام الثراء السريع والشهرة حتى إذا كانت على حساب إضرار المجتمع، فهذه المدونة بالنسبة لهم ستكون عديمة الجدوى تماماً.



د.محمد منصور

طبيب متخصص في أمراض الباطنة وأمراض الكلى

مستشفيات جامعة ليستر - بريطانيا

مؤسس موقع وقناة "الدكتور"

ألهمتني؟

التعليقات

مسلمة وأفتخر
مسلمة وأفتخر ٢٥ اذار ٢٠٢٠

انا اشتركت بموقع ملهم أول ما شفت البوست بتاع حضرتك على فيسبوك. بجد فرحانة جداً ان حضرتك بتكتب مدونات. احنا محتاجين مناقشة المواضيع دي بصراحة اكتر وبدون مواربة. كمان اكتشفت ان الموقع عليه مدونات كتير جميلة لناس ماكنتش أعرفهم. شكرا جزيلا ان حضرتك عرفتني عليه

طبيب استشاري ٢٥ اذار ٢٠٢٠

كلام موزون وعاقل
لغة عربية بسيطة وسلسة
تشرفت بمتابعتك يادكتور

محمود رسلان ٢٥ اذار ٢٠٢٠

أحسنت يادكتور. أنا أعلم أن هناك من سيغضب من هذا الكلام لكن يوتيوب أصبح فعلاً مسخرة ولاتستطيع أن تجد الغث من السمين

علياء كيوان
علياء كيوان ٢٥ اذار ٢٠٢٠

بارك الله فيك يا دكتور والله تكلمت عن ما يدور في عقول الكثيرين