كيف تستغل متابعيك.. وكيف تكذب وتدلس عليهم وتبيع لهم الوهم؟

تحدثنا سابقا عن وقوع أكثر الناس ضحايا للنصب والدجل باسم الطب..


ورأينا أمثلة للطبيب أو الصيدلي أو الممارس الشيخ ذو اللحية والذي يبدو عليه الوقار والذي اخترع أو اكتشف أول علاج في التاريخ لشيء ما (أياً كان هذا الشيء) ورفض بيعه لشركات الدواء الإمبريالية الاستعمارية الأمريكية بملايين الدولارات مقابل أن يوفره لأبناء بلده الذين يحبهم ويعشقهم ويتمنى أن يموت فدا أرواحهم!


ورأينا أمثلة لمشاهير السوشيال ميديا والذين يملأون الشاشات نهاراً وليلاً بإطلالاتهم الساحرة.. وكلماتهم الملهمة.. وطاقاتهم الإيجابية.. وعلاجاتهم السحرية.. حتى وإن لم يكن هناك دليل على مدى فعالية هذه الأدوية السحرية سوى تعليقات بعض المتابعين المسحورين بالنجم الشهير ذي الكاريزما الطاغية.. طبعاً لا تسألني عن التعليقات السلبية التي حاولت أن توضح لغيرها أن هذه العلاجات لم تكن سحرية كما يظنون!! لأن حذف هذه التعليقات وحظر أصحابها هو أسهل شيء يمكن لهؤلاء النجوم فعله.

.

إذا تابعت هؤلاء النجوم الدجالين لفترة.. ستجد أن هناك خلطة سحرية يعلمونها ويعملون بها دائماً لكسب ثقة جمهورهم.


جزء من هذه الخلطة هي ظروف مجتمعية يحسنون استغلالها مثل ارتفاع سعر الخدمة الطبية في كثير من البلدان العربية، وانها غير مدعومة من الحكومات بشكل حقيقي.

وربما لهذا  لا ترى هذه المشكلة بهذا الشكل الفج في كثير من الدول المتقدمة التي لا يحتاج المريض فيها الى أن يقترض او أن يدبر مبلغا كبيرا لدفع تكلفة زيارة الطبيب وشراء الأدوية اللازمة بعد الزيارة.

الحقيقة أن الكثير من المرضى سيفضلون الذهاب إلى الطبيب المتخصص إذا كانت زيارته وعلاجاته لن تكلفهم شيئا.


جزء آخر من هذه الخلطة هي الطرق بقوة على كل ما يحب الناس سماعه, مثل الأخبار الصادمة والغريبة.

وهذا ما قاله عراب الجيل ا.د. أحمد خالد توفيق - رحمه الله - في إحدى مقالاته: لن يهتم أحد بخبر في جريدة يقول إن كلباً عض رجلاً يسير في الطريق.. ولهذا فإن أغلب الجرائد لن تهتم بنشره!

لكن الصحفي الذي يعرف كيف يكتب "مانشيتاً جذاباً" سيكتب: عض الرجل الكلب!, لأن هذا أمر غريب وسيجذب انتباه الكثيرين (حتى وإن اضطر لتقديم المفعول به على الفاعل.. بل وحتى لو اضطر لنصب الفاعل أو النصب عليه!).


شئنا أم أبينا, نحن أصبحنا نعيش في عالم السوشيال ميديا, وأصبح أغلب الناس هدفهم هو جذب اهتمام العدد الأكبر من الجمهور لما يقدمونه والتأثير عليهم لجعلهم ينقرون على العنواين التي يقدمونها, سواء كانت فيدوهات أو مقالات أو غيره, فلابد من بعض التوابل والإضافات للعناوين لجعلها جاذبة للمشاهد.


الطبيب الذي يشرح لك بالتفصيل أعراض وعلامات مرض السكري وطرق علاجه بأحدث ما توصل إليه العلم هو طبيب ممل وتقليدي ولن يحدث الضوضاء التي يحبها نجوم السوشيال ميديا هؤلاء. أيضاً لن يمكنه تحقيق دخل جيد عن طريق ما يقدمه, حتى لو كان هو أكبر وأعلم أهل الأرض بمرض السكري.


أما إذا قام الطبيب بتسجيل فيديو ليخبر الناس بـ: "مالا يقوله لك الأطباء عن مرض السكر!" أو عن "سحر عشبة القديسين في العلاج النهائي لمرض السكر" أو إذا كان عنوان الفيديو: "علاج مرض السكر بدون دواء - شاهد قبل أن تحذفه شركات الأدوية", فإن أغلب الناس لن تسأل نفسها عن مدى صحة هذه الإدعاءات! ولن تتوقف للحظة لتتساءل: إن كان هذا الكلام صحيحاً, فلماذا لم يقم هذا الطبيب بتطبيق أساسيات البحث العلمي عن طريق عمل دراسة معتبرة بالتعاون مع أي جامعة علمية محايدة لإثبات ادعاءاته, وعندها - إذا ثبتت صحتها - فسيجني المليارات من الأموال مع ضمان جقه في الملكية الفكرية لهذا الدواء للعديد من السنوات! هذا أيضاً سيضمن أمان أدويته على المرضى وضمان عدم تضرر البشر الذين يشترونها! لماذا يقوم هذا الطبيب أو التاجر ببيع منتجاته للمرضى بدون تجارب ليكونو هم فئران المختبر؟


أما المكون الرئيسي لهذه الخلطة والذي يضمن نجاحها الدائم مهما تغيرت البلدان والأزمان هو حب الناس وإيمانهم المطلق بنظرية المؤامرة! وهي نظرية تنمو وتتوغل حيثما وجد القهر والكبت المجتمعي والسياسي والظروف الاقتصادية الضاغطة، 


يمكنك أن تدعي أي ادعاء بشرط أن تعقبه بالقول أن هذا هو مالاتريد لك الحكومات وشركات الأدوية العملاقة والأطباء الجشعين أن تعرفه, وستجد المصدقين بالملايين.


يمكنك أن تزعم أي زعم وستجد من يؤمن به فقط إذا ختمته بقولك: "لاتخبر أحداً" أو: "هذا سر لن يقوله لك غيري" أو "شركات الأدوية ستدفع الملايين لتمسح هذا الفيديو" إلى آخر هذه الجمل التي تشعرك أنك أخيراً قد وجدت روبين هود الذي يضحي بحياته وقدراته الخارقة من أجلك ومن أجل مساكين الأرض الذين لا يشعر بهم أحد.


أنا لا أدعي هنا أن نظريات المؤامرة خطأ على الدوام, فبالتأكيد هناك مؤامرات في كل المجالات, لكنك لن تجدها تستخدم لتفسير كل شيء إلا بين الشعوب المكبوتة والفقيرة والمقهورة للأسف!


هذا طبعا بخلاف أن هؤلاء الدجالون المحترفون يحسنون استعمال عدة توابل سحرية تضاف إلى هذه الخلطة لتدغدغ مشاعر المشاهد أو المستمع ولا يستطيع أحد مقاومتها. من أمثلة ذلك:


  • الاستناد للدين و لصق كل شيء به و لي أعناق النصوص لتبدو داعمة لادعاءاتهم الكاذبة، وإظهار الطرف الآخر بشكل الملحد والمجدف.
  • الارتباط بالتراث و إيجاد سند تاريخي وشعبي لادعاءاتهم وانتقادهم للحداثة والعولمة والثقافات الأخرى الدخيلة على المجتمع.
  • الاتجاه للطبيعة و غرس فكرة أن ما يأتي من الطبيعة هو الخير المطلق و قولبة الآخر في قالب المدافع عن الكيماويات و المسرطنات.
  • الظهور بمظهر البساطة والحديث بكلام سهل و لغة سلسة مقابل التقعر والتعقيد و الطريقة الفوقية التي يظهر بها كثير من أهل العلم الحقيقي.


سنفرد بإذن الله حديثاً خاصاً لكل واحدة من هذه البهارات السحرية لنرى كيف يستعملها الدجالون للوصول إلى قلب المشاهد دون المرور على عقله لتمرير رسائلهم الخادعة.


و يمكنك أن تشاهد هذا الفيديو الذي يلخص الصفات السبع التي يجب أن تحذر منها إذا رأيتها في طبيب على السوشيال ميديا:




كل ماسبق هو الوسائل والحيل التي يستخدمها الدجال أوالمدلس لتزيين بضاعته الفاسدة. لكن ماذا عن المتلقي؟

لماذا يتجه عموم الناس لتصديق هذا الدجل وهذه الخرافات؟


هذا ما سنتحدث عنه في المدونة القادمة بمشيئة الله..


د.محمد منصور

طبيب الأمراض الباطنة والكلى

مستشفى جامعة لستر – بريطانيا

مؤسس موقع وقناة "الدكتور"


التعليقات

وائل عبدالله
وائل عبدالله ٢٣ تموز ٢٠٢٠

أسلوب طرح رائع، أشكرك

محمود رسلان ١٨ تموز ٢٠٢٠

بارك الله بك وفيك ياد.محمد... وضعت يدك على حقيقة الجرح... استغلال النصوص الدينية والتمسح بالدين لتمرير النصب... والدين من أمثالهم بريء

Yasmin Ammar
Yasmin Ammar ١٨ تموز ٢٠٢٠

Finally!!!! I've been waiting for this one for months!!! thx Dr