"إذا كان التردد في اتخاذ القرار خطأ كبير، فإن التردد في تصحيح الأخطاء هو الخطأ الأكبر والمُضيع للفرص"




لا يخلو أحد، مهما كانت درجة إيمانه، من الخطيئة صغرت أم كبُرت. وكلما كَثُرت وتعددت وتشابكت أعمال الإنسان وعلاقاته بالناس، زادت أخطاءه كما ونوعا. وأخطر الأخطاء تلك التي تحدث في العلاقات الأسرية لأنها في غالب الأمر تصبح تَرِكة يحملها الأبناء على أكتافهم وقد تتوارث الأجيال جيل بعد جيل.

والإنسان في ذلك مثله مثل الخلايا. فما من خلية أيًا كان النسيج والعضو الذي تتبعه إلا وتقع في الخطأ. وكلما كانت الخلية أكثر نشاطاً وأكثر حيوية وانقساما، كثرت أخطائها كما ونوعا. وأخطر الأخطاء في الخلية تلك التي تحدث في الجينات الوراثية لأن الخطأ في هذه الحالة إن لم يتم تصحيحه تتوارثه الخلايا وتنقله الخلية الأم من جيل إلى جيل.

وكما تفعل الخلية من تصحيح الأخطاء في جيناتها أولاً بأول لكيلا تحدث طفرات تؤدي إلى أمراض أخطرها السرطان، فكذلك على الإنسان أن يصحح أخطاءه أولاً بأول حتي لا تصاب علاقاته مع ذاته والآخرين بطفرات قد تؤدي إلي أمراض نفسية علي مستوي الإنسان نفسه أو أسرته أو عمله فيتأذى في النهاية المجتمع الإنساني ككل.

والخلايا لا تصحح أخطاءها بطريقة عشوائية بل بأسلوب وآلية منظمة جداً بُرمجت عليها من قبل خالقها. فهناك العديد من الإنزيمات المتخصصة في تصليح الأخطاء في الجينات أولاً بأول وكذلك في جسد الخلية في حالة تعرضه لعمليات أكسدة شديدة تُتلف مكوناته فَتُعطب الخلية.

وكذلك على الإنسان أن يضع لنفسه آلية واضحة لتصحيح الأخطاء أولا بأول، ويبرمج نفسه عليها حتى تتم بصورة يومية ومنظمة. وفي هذا الصدد، كان سيدنا عمر بن الخطاب يحاسب نفسه كل مساء اما حدث طوال يومه بغرض اصلاح أخطاءه إن وُجدت حتى يستطيع أن يضع رأسه على وسادته ويخلد إلى النوم.

فلسفة واستراتيجية تصحيح الخطأ باستمرار من أهم السلوكيات والإجراءات التي يجب أن تتم باستمرار لكي تعيش الخلية وكذلك الإنسان في صحة وسلام نفسي. وعدم تصحيح هذه الأخطاء سوف يجعلها تتراكم يوما بعد يوم وجيل بعد جيل حتى تتفاقم وتسبب الأمراض التي قد يصعب علاجها بالمرة.

ولو عاد بي الزمان إلي الوراء لأول مرحلة في العمر والتي كنت فيها قادرا على تمييز الخطأ من الصواب والقدرة على تصحيحه، لكنت خصصت وقتاً لمحاسبة النفس لاكتشاف الأخطاء مع الذات ومع الآخرين والعمل على تصحيحها دون مكابرة أو مغالاة. لو كان حدث ذلك للكثير منا لكانت علاقتنا بأنفسنا والآخرين أكثر صحة وسلاماً واستمتاعاً. ولكن ها نحن ما زلنا على قيد الحياة، ومازال هناك الكثير من الأخطاء التي تحتاج إلى تصحيح رفم أننا لا ندري إذا كان هناك ما يكفي من الوقت لتصحيحها أم لا أو أن الأوان قد فات. فكما لكل شيء تاريخ صلاحية، لتصحيح الأخطاء أيضاً تاريخ صلاحية.

نصيحتي للشباب أن ينهجوا نهج الخلايا في تصحيح أخطائهم أولاً بأول حتى لا تضيع منهم فرص النجاح والسلام النفسي خاصة في هذا الزمن الذي يجري بالجميع. عليك أن تخلو بنفسك كل يوم ولو لبضع دقائق، وتأخذ نفساً عميقاً وتتدبر ما كان عليه يومك بينك وبين نفسك وبينك وبين الناس. وحتى لا يختلط عليك الأمر ولكي تحكم جيدا، لا بد وأن تبدل الأدوار لكي تنظر للأمور من وجهة نظر الآخر كما رأيتها من وجهة نظرك أنت حتى تكون قادرا على تصحيح أخطاءك بحيادية كما تفعل خلاياك.

حقاً، ما أجمل أن نتعلم من خلايانا ونصحح أخطائنا أولا بأول، فلا أحد يخلو من الخطيئة صَغُرَت أم كَبُرَت.

والله هو الهادي وهو الغفور وهو التواب الرحيم.

د. محمد لبيب سالم

أستاذ علم المناعة كلية العلوم جامعة طنطا

وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر



ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة