"ومهما توطدت علاقتك بكرم ذي سلطان فكن في تأدبك معه سلطان وإلا أصابك منه سيف السلطنة"

https://studio.youtube.com/video/msGkHjruygA/edit


شاب فارسي الأصل مليح الطلعة عيونه تشع ذكاء حاد وملامحه تعكس همة وقرابة تشعر فيها بالصداقة من أول وهلة. سمعت عنه كثيرا وأنا صغير في الإعدادية والثانوية ولكني لم يسعدني الحظ أن أقابله وجها لوجه في أحد أعماله آنذاك. ولكننا الآن أصبحنا أصدقاء وارتبط معه بصداقة من طرف واحد.


صديقي عبد الله بن المقفع بقلم د. محمد لبيب94965841621455570


هذا الشاب الذي ولد شابا في فارس لأب مجوسي ونشأ شابًا في فارس والبصرة أواخر الحكم الأموي، ومات شابا أيضا في البصرة بالعراق أوائل الحكم العباسي، هو عبد الله بن المقفع الذي سمي بذلك نظرا لأن والده عوقب من قبل الحجاج الثقفي بسبب اهمال في عمله بالضرب علي أصابعه حتي تفقعت يداه. شاب يتحدث الفارسية والبهلوية والعربية. ولد مجوسيا واعتنق الإسلام وهو شاب أثناء عمله في البصرة بالعراق.


عندما تقرأ أحد أعمال عبد الله بين المقفع تسعر وكأنه يكتب لك أنت وبأسلوب راقي متحضر ورقيق ومليء بالحكمة والموعظة بأسلوب أدبي رفيع. شعرت بذلك عندما قرأت له الأدب الصغير والكبير وهما كتابان من تأليفه يمثلان موسوعة من أدب الموعظة والحكمة في كيفية التعامل مع النفس والآخر ومع الله. وعندما قرأت له تعجب من أسلوبه السلس الذي يأخذك دون أن تشعر لنهاية كتاباته بلا ملل بل بتسوق كبير. ولم اندهش عندما علمت أنه تقلد بعض الوظائف في دواوين الأمراء والخلفاء ككاتب الحكم في المراسلات الرسمية المحلية والدولية وذاعت شهرته وكان استاذه في ذلك عبد الحميد الكاتب الذي كان صديقه المخلص.


ومعظم كتابات بن المقفع كانت حول الصداقة وحول نصح الحكام باللين وبطريقة غير مباشرة بنية الإصلاح والمواطنة. كما أنه كان مثقفا جدا وعالما باللغات حتي أنه ترجم العديد من كتب الفرس والاغريق بما فيها بعض كتب ارسطو الي العربية. وكان من أكثر الكتب شهرة والتي ترجمها كتاب كليلة ودمنة الذي يمثل ثروة وموسوعة أدبية من فن القصص والحكايات المملوءة بالمواعظ والحكم ولكن علي لسان الحيوانات ومنها حيوان كليلة وحيوان دمنه وهما حيوانات تشبه الكلاب. وسمي الكتاب بهذا الاسم لأن باب كلية ودمنة كان طويلا ومهما في مواعظه ومعناه خاصة أن هذا الباب اشتركت فيه العديد من الحيوانات مثل الأسد والفيل والثور وغيرها، قصص تحث علي فضيلة الصدق والإخلاص والصداقة والصراحة.


ومع أن اسمه ملأ دنيا الثقافة العربية الإسلامية في وقتها، ورغم أنه كان صديقا صدوقا، ورغم أنه كان قريبا من الحكام ، إلا أن شهرته هذه ومنزلته هذه جعلته يختلف مع أمير البلاد أنداك اختلافا شديدا. ومع أن بن المقفع كان يتميز بالحكمة والصبر ويكتب لها، إلا أنه لم يطبق ذلك عند خلافه مع أمير البلاد الذي استدرجه في قصره لينفذ فيه حكم الإعدام ولكن بطريقة بشعة تدمي القلوب. فقد مات بن المقفع مئة موته، حيث كان في كل موته تقطع جزء من جسده ويلقي في قدر مملوء بماء يغلي، وهكذا حتي تقطعت كل اطرافه واعضاءه ثم ألقي هو نفسه في القدر ليموت ابشع موته عرفها التاريخ.


شاب مثقف وأديب ولكنه قضي علي نفسه في ريعان شبابه بسبب تحديه الغير مبرر للحاكم. ولو كان حكيما واحسن التصرف لعاش طويلا وأنتج كثيرا وأمتعنا بأديباته أكثر وأكثر. ولو كنت عرفته في القرن الثاني الهجري لكنت نصحته بضبط النفس والتحلي بالصبر والتركيز في الكتابة والفكر والترجمة حتي يستفيد العالم منه أكثر.


واستفاد من بن المقفع الكثر في حياته من الأصدقاء والقراء. وهناك العديد من الدارسين الاكاديميين الذين استفادوا أيضا من بن المقفع ماليا ومعنويا وأدبيًا. وكان أحد المستفيدين الأكبر من حياة وكتابات بن المقفع باحثة المانية في الادب العربي والتي ركزت دراستها وابحاثها علي الحياة الأدبية لابن المقفع حتي ذاعت شهرتها وفازت بجائزة كبيرة تزيد قيمتها عن ٣ مليون جنيه مصري.


رحم الله الصديق الصدوق بن المقفع وجعل أعماله وكتاباته في ميزان حسناته.


رحمك الله يا صاحب درة كليلة ودِمنة.


د. محمد لبيب سالم

أستاذ علم المناعة كلية العلوم جامعة طنطا

وعضو اتحاد كتاب مصر

www.mohamedlabibsalem.com



ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

https://www.youtube.com/watch?v=vnHLE_Jb1tg

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة