المشاعر أسمي منحة من الله للانسان لتجدد حياته في الحزن والفرح, والمشاعر لا تنتهي ولا تتحول إلي الشيء فقط تحتاج إلي أن نديرها مع انفسنا ومع الاخرون

اعادة تدوير المشاعر

بقلم د. محمد لبيب سالم 

كاتب وروائي 



"طوبي لمن يدير المشاعر حتي لا تجف القلوب"




المشاعر نفحة من الله أودعها في قلوب الناس عامة ليتعارفوا في ود وسكينة كالجند المجندة ماتعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف بدون عداوة أو كره. وقد لا تكون المشاعر مكودة في جيناتنا منذ لحظة الاخصاب الكبري وتصويرنا علي هيئة أجنة في أرحام أمهاتنا. وقد تكون المشاعر نفحة إلهية مع نفخة الروح القدسية التي يهبها الله للجنين في الشهر الثالث من الحمل. فالمشاعر لا تحتاج جين في الخلية يأخذ وقتا ليعبر عن نفسه لنشعر به، ولكنها طاقة هلامية أودعها الله فينا تسري في عروقنا وتجري فيها كجريان الروح في اللحظة والتو.وحسب سرعة وقوة جريان المشاعر وفورتها يكون مدي تأثيرها علي جيناتنا وبالتالي سلوكنا.


المشاعر فوق الجينات والبروتينات، وفوق حتي العادات والأعراف والقوانين. فمن يستطيع تفسير انجذابك لشخص بقوة دون شخص آخر، وارتياحك لشخص دون آخر، ووقوعك في هيام شخص دون آخر. إنها المشاعر التي تتحرك من سكون الي ذبذبات الي انسياب، ثم الي جريان ثم غليان وفوران، فتتحول الي بخار قد لا يعود فلا يشعر به الا صاحبه او يتكثف علي جدران واسقف قلوب الاخرين فيشعرون ويلبون نداء المشاعر.والمشاعر ليست حكرا علي الإنسان وحده، ولكنها هبة أيضا للحيوان وحتي الجن والشيطان. فالحيوان لديه مشاعر وان كانت مبرمجة علي عكس مشاعر الانسان التي يستطيع التحكم فيها بقدر طاقته. وما جعل ابليس يعصي الله ويسجد لآدم سوي المشاعر، مشاعر حبه لله وبغضه وحقده علي آدم والغيرة منه.


المشاعر هي لغة بلا أبجديات، هي لغة الأفئدة وليست العقول، بل هي التي تؤثر في مجري الأفكار في قنوات العقول.وإذا كانت المشاعر فوق الجينات وفوق البروتينات وفوق الأعراف والقانون، فهي لا تتلاشي ولو احترقت، ولا تنفذ ولو كمنت، ولا تموت ولو مرضت. فالمشاعر دائما هناك طالما أن صاحبها هناك فيه قلب ينبض. هي فقط قد تتواري أو تستكين أو تخجل أو تهرب أو تقلق أو تنام إلي مالا نهاية في بيات شتوي أو خمول صيفي. ولذلك لا بد من تدوير المشاعر واعادة تدويرها من وقت لآخر طالما هي هناك، وطالما هي مثل الهواء تتمدد فينا كما نشاء.وهناك ترمومتر المشاعر الذي يخبرنا عن درجة مشاعرنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين. ولكل منا درجة مشاعر الخاصة به فهي ليست ثابتة كدرجة حرارة أجسادنا، تماما مثل الروح، فلكل منا روحه الخاصة التي قد تثقل وقد تخف حسب طبيعة روح صاحباها.


المشاعر لا تتحكم فيها جينات وبروتينات، ولذلك فلا بد من اعادة تدوير ها حتي لا تبقي جامدة أو ساكنة.وتدوير المشاعر مع الذات قد يبدأ في النظر في المرآة لتري عينيك وشفتيك وأذنيك وملامحك مهما كانت درجة بهائها وجمالها، فيكفي أنك تعرفت علي نفسك. وعندما تري نفسك في المرآة ابتسم وتأمل عينيك وشفتيك ثم ابتسم لنفسك قدر ماتستطيع واذا استطعت أن تبهج نفسك وتضحك فافعلها وكن مشرقا. افعل ذلك قبل أن تبدأ في تعديل هندامك وتنشغل بتمشيط شعرك.وتدوير مشاعر النفس تسمو بحب الله والرسول والناس أجمعين. فاذا شعرت بتجميد مشاعرك تذكر شخصا عزيزا عليك، واغمض عينيك وابتسم له وكأنه ماثل أمامك، وما أكثر من الناس الأعزاء علينا الذين ننساهم في هرج ومرج الحياة وزحمتها. تذكر ابوك أو أمك أو أخوك أو أختك أو زوجك أو رفيق درب أو صديق.


وتسموا المشاعر أكثر وأكثر وتدور وتدور عندما تتعلق أفئدتنا بالصلاة، فالصلاة هي المعجل المركزي لشحن المشاعر.وتدوير المشاعر يبدأ في أبسط حالاته مع إهداء الآخرين بسمة أو همسة أو ضحكة أو كلمة. فإسعاد الآخر هو اسهل الطرق وأسرعها وأقواها لتدوير مشاعرك وإعادة تشغيلها حتي ولو كنت لا ترغب في تدويرها. نظرة الناس إليك هي ترمومتر المشاعر ونظرتك للناس هي زئبق المشاعر. فإذا شعرت بنقصان في درجة مشاعر الآخر حواليك فامنح جزءا من مشاعرك ولو في ببسمة أو ضحكة أو إيماءه، ستشعر حينئذ أن محرك مشاعرك بدأ في الدوران وقد لا يتوقف عن الدوران. ولو احتاج الأمر إلي تدريب فتدرب مع نفسك في المرآة حتي تتعلم كيف تصنع بسمة أو ضحكة وفرحة بشفتيك ووجنتيك.


الحكمة الكبري من تدوير المشاعر هي القدرة علي حب الناس قدر المستطاع، فإن لم تستطع تدوير مشاعرك فستتوقف روابطك الإنسانية عند آخر رابطة لها وقد تُفك هذه الرابطة أو تضيق فتُخنق.تدوير المشاعر يجدد الحب ويقوي الروابط ويزيد البهجة والفرحة، فما البهجة والفرحة إلا دوران المشاعر وفورانها في عروقنا. ولكي نضمن استمرارية تدوير المشاعر فلا بد لنا من أصدقاء يخبرونا بعفة عندما تتجمد مشاعرنا ويلكزونا بخفة عندما تفور مشاعرنا. أصدقاء هم لنا بمثابة ترمومتر المشاعر. أصدقاء إذا احتجنا علاجا لقصور مشاعرنا حقنونا ببلازما المشاعر وداوونا بحبوب المشاعر. أصدقاء هم فوق الجينات والبروتينات والقانون والأعراف.


المشاعر مثل الهواء لا ينفذ ولكن قد يتجمد أو يفسد، فلكي نتجدد علينا باعادة تدوير مشاعرنا. ما تجمد منه نُسيله، وما توقف منها نُجريه، وما تفككك منها نغزله، وما هرب منها نعيده، وما خاف منها نطمأنه حتي تهدأ النفس ولا نصاب بجفاف المشاعر.


تحياتي د. محمد لبيب سالم 

كاتب وروائي - مصر 

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة