رُبَّ ذُرَّةٍ يَافِعَة تُبهِج كُلُّ نَفسٍ نَافِعَة؛

إلَى هَؤلاءِ العُظمَاء، طُوبى لكُم، طُوبى لِمَن يَعمَل بِوصيَّةِ الأحبَابِ والأنبِيَاء؛ مَن مِنهُم مَن يَمنَحِ الأرضَ خَير دلِيلٍ دونَ ريَاء، مَن هُم للأرضِ والسَّعادَةِ أوصِيَاء، أتَعلمُون أنَّ للأرضِ مَكاسِب مِن تِلك المَناصب؟ أتَحدَّثُ هُنَا عَن سَعادةٍ نَوعِيَّة وليسَت حِكراً للبشريَّة، فللأرضِ أيضاً قِسمَةٌ نَوعِيَّة، تَتجلَّى فِي أصدَق مَعانِيهَا، تَتألَّق، تَتأنَّق وتُعبِّر عَن نَفسهَا بِنفسِها ريثُ سُكونٍ دافئٍ فِيهَا وحنُونٍ مِنها، سِلمٌ وسَلامٌ وحُريَّة وأمَامَ الجَمِيع رُغمـــاً عَن أحقَادِ البَشريَّة فِي مُختَلفِ الطُّقوسِ والظُروف البَحرِيَّة مِنها والبَريَّة.

مَا أقصدُه وأُحَاوِل الكِتابَة عَنهُ ليسَت قَافِية ولا حتَّى مُحاولَة فِي وزنِ الكلام، خُصوصــــاً؛ عِندَ مُباغتَة المُقدّمة والإقتِراب أكثَر ومِن مَسافة الصّفر على تَوأم السَّماء السِّيَامي، الأرضُ والوَطن، أغَريبٌ هذَا الوصف؟ أمْ أنَّ الغَرابة أنْ يُوصَف ذلِك بِالمَهد واللَّحد؟ فالأرض هِي مَن وُطِئَت لنَا نَحنُ الجَمِيع بِلا إستِثنَاء، وأمَّا الأوطَان فَهِي لأصحَابِهَا ومَن يَستَحِقُّ، للإنتِماء لهَا والدِّفَاع عَنها، لَيسَ غُروراً، ولَا عَلى حِسابِ كُلَّ مَن يُعانِي مِن فِهم تِلك المَعانِي، نَاهِيكُم عَن مَن فضَّل الإختِيَار بِلا وَعيٍ أو حتَّى بالمنطِق الغائِب عَن كُلِّ مَا هُو غَنِيٌّ بِالرَّهفِ عَلى هذِه الأرض.

تَلتقِي هذِه الكلِمَات وبِشكلٍ دَائِم عِندَ النَاصِيةِ، نَاصِيةِ الرَّأس، بَعِيداً كُل البُعد عَن كُلِّ التَقاطُعَات والقَريبَة عَلى الفِطرَة المُشتَركَة بَينَ البَشر، إلّا وأنَّه حَسبَ المُتداول أنَّ للسعَادة مَعانِي مُشتَركة تَعمَل عَلى إختِصار المَسافَات بَين البَشر، كُلاً حَسبَ إختِياره، فَالمَعانِي نَفسهَا قَد تَختَار الحَيلُولَة بَينَها وبَينَ الكَثِير فِي مَعرِفَة الكيفيَّة والكَمِيَّة عَن أحقيَّة الإكتِسَاب مِن السَعادة لِكُلٍّ مِنَّا فِي هذِه الحيَاة، بِإختِلافِنَا وإختِلافاتِنا، بآرَائِنا ورِوايَاتِنا بَعيداً كُلَّ البُعد عَن كُلِّ الأسباب وحَسب مَا تَملئُه البَشريَّة قُبيلَ الولُوج وقَبل الخُروج .

أتسَائل إنْ كَان الأمرُ غَريباً أم قَريباً؟ أنَّ كُلّ مَا يَحثُّ عَلى التَّعايُشِ والسَّلام فِطرَة، يَعني ذلِك بالإختِيار لا الإجبَار! هُو الإنسان بِحد ذاتِه، وأمَّا الأوطان؛ هُنا تكمُن السَعادة وبِحَسب الأبجديَّة والأولويَّة، مِن مَوطِن الأنبِيَاء والآبَاء، مِن هُنا ومُروراً إلى هُناك، أميَال تَملئُها سُلالاتٌ مِن البَشرِ، تَركِيبَات جِينيَّة مُتراكِمة، مُتشابِهة وكثِيراً فِي تَفاصِيلِها ومَداخِيلِها، يَعود التَساؤُل كالمُعتَاد عن التَشابُهٌ إنْ كانَ فقَط فِي الجِينَات أمْ بِكَامِل التَفاصِيل؟

أهِي بِذاتِها مَن وقَع عليهَا الإختِيار؟ أو مَا يُعرَف بِالقِسمَة والنَّصِيب؟ أعلَمُ جيِّداً أنَّ هُناك سَعادةٌ شبِيهَة بِتلك القُوَّة عِند تحمُّل ظرُوفاً غامِضة بَل قَاسِية لمْ تَكُن بالحُسبان، أتَستَحِقُّ السَعادَة كُلَّ هذَا؟ أليسَ غرِيباً أنْ يَشعُر الإنسَان بِذَلك؟ أهُو دَلِيلاً قاطِعاً أمْ دالِعاً؟

عُمومـــاً؛ وبِالنِسبَة لأصحَابِ العُقول فَهو بِالفِعل دَليلاً قَاطِعاً عَلى المَحبةِ والإنتِماء، للأرضِ وأهلِ الأرض حيثُ مَهدُ الصِبَا ومَرتع الطُفولَة، وأمَّا عَن اللَّحدِ والكُهولة فَلا نَعلم حتَّى أين مأوَاهَا بَعد؟ يَكفِينَا نِبراسُ حَياةٍ تَكدَّست وتَكرَّست مِنها الذِّكريَات حتَّى أمتلَئت تِلك المَنابِع وامتثَلت بِكامِل القُوَّة والصُّمود أمَام الجمِيع.

فِعـــلاً، إقتِراب قَريب جِداً وبِالكَاد أنْ تُفهَم المَعانِي، سِياميُّ الإفصَاح بَعض الشَّيء، فَالعيش مِن خَيراتِ الأرضِ يَكفِي وحدَه لإسعَادِها بَل للتضحِيَة مِن أجلِها، فَما بَالكم بِذلِك التأثِير مِن البِيئَة والنَشأة؟ أنحنُ كائِنات أم مُكوِّنَات؟ لنَتوقَّف قلِيلاً ولِنُحاول فهمَ الأمُور على رَوِيَّة غَير مَسدوُدَة، عَن الأرضِ ومَن عَلى الأرضِ وحتَّى مَن فِي الأرضِ، أليسَ جَميعُنا أقسَمَ عَلى تَأدِيَة الواجِبَات وبِالوَجه المَطلوب وفاءً وحُباً للسَّماء؟ أليسَ نَحنُ مَن أستُخلِفَ فِي هذِه الأرض لإعمَارِها، إسعَادِها وإسعَادِ مَن عَليها؟

هِي السَّعادَة، الأمل، الطُّموح والرَّغبة الجَّامِحة بِالصُّعودِ للعَلياء مَع الإحتِفَاظ وكُلِّ الإحتِفَاظ بالأصَالة ذاتِ الطِّباع بالهويَّة والغنِيَّة بالشُموخٍ والعزّ، مِمَّا يَعكِسُ قُوةً وعَزيمَة بل إعتِزاز وأكثَر مِن ذَلك، مِن الذَّاتِ للذَّات دُون أيّ إضافات أو حَتَّى مُجامَلات قد تُغيِّر مِن مَعنى العِبارَات.

نَقترِبُ أكثَر وأكثر ولا مَسافَة تَفصِلنَا لِكَي نَقِف وقفَة تَحيَّةٍ وإجلاَل، أمَام أعظم وأهَم سُنَنَ الرَّب عَلى هذِه الأرض، التَجدِيد والتَغيير، فلَولا آيَات وأسفَارٌ مُقدَّسة أنْزِلَت عَلى الأحِبَّة ودُعَاة السَّلام لمَا كَانَ مِن الحِكمَة فِي التبدِيل والتَغيِير أيّ حَاجةٍ أو نتِيجة، ليسَ فقط ذلِك بَل لَما آمنَ البَشر مِن بَعد مِيثاق شُكِّلت مِنهُ الأحرف والكَلِمَات بِما فِيه مَصلحةٌ للعُقلاء مِن الجَمِيع، والذِين أعلنُوا بِالسرِّ والعَلن عَن الوَلاءِ والوَفاءِ للربّ ثم لوُلاةِ الأمرِ والقَادَة على الدَّرب.

السَّماء سَعيدةٌ كَما نَحنُ البَشر، ولكِن مِمَّن وبِمن؟ بِكُلّ تأكِيــــد مِمَّن يُسعِدُها وبِمَن هو حيٌّ يُحيِيها ويُحيي أرضَها، يَشكُر فَضلُها، يُعمِّر أرجائها ويَعيشُ بِحُكمِهَا وحِكمَتِها، عادلٌ بِعَدلِهَا ومُحَمدٌ بِأدَائِها.

لَا أعلَم إن كَان يَليقُ البَوحَ بِذلك! أمُجازاً الأمر؟ أمْ مَاذا؟ أَإختِيارٌ أمْ إجبَار؟ تَزاحمَت الكَلِمات أمَام المَعاني، بِالنسبَة لي سَأختَار وبِالطَّبع مِن حُسنِ الطِّباع، مِن بَعد السَلام أنْ يُسرَد خيرُ الكَلام، ليسَ عجِيباً ولَا غرِيباً ذَاكَ الهِيَام، نَعم، بِالشُّكرِ تزدَاد النِعم وبِالعرفَان تَفِيض النغَم، بُورِكتُم لمَناصِبِكُم يَا قُدوةِ الأجيَال على طُول الأميَال، يَا مَن صَنعتُم السِّلمَ والسَّلام، سَعادةٌ لا يَصِفُها حتَّى العذْب مِن الكَلام، بُورِكَت جُهودكُم يا مَن لَكُم مِنَّا وفَاءاً فِي كُلِّ نَماءٍ وإنتِمَاء، أنتُم أهلُها ومَن يَستحِقُّ ولاَ مَكانَ لكُم غيرَ العَلياء.



ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات أحمد البطران "بطرانيات"

تدوينات ذات صلة