عزيزي القارئ، هذا الحالُ في غزة، ماذا عن بلادكم؟ هل نعاني جميعاً ذات الأمر وصعوبته؟ حدثني أكثر...

"بندورة بلدي خيار بلدي"

لقد تعبتُ من الحصول عليها، طفتُ البلاد، خضتُ البحار، مشيتُ السهول وكل الهضاب، إنها أشبه بمعجزةٍ خارقة، لم تحصل معي أبداً.

أغلقتُ جهاز الحاسوب بعدما قمت بإرسال الملف للجهة المطلوبة وأنا أتأففُ حظي العاثر.

أخذت أحدّق في هدوء المدينة، فالساعة الخامسة فجراً، لم يطرق النوم عيني أبداً، فاليوم موعد لقائي بها!

تتحول المدينة لشيءٍ أشبه بالمسرح، في السادسة صباحاً، يتوجه العمالُ إلى أعمالهم، وهم يحملون كيساً أسود، صغير الحجم، يرون فيه بصيص الأمل لبقائهم، فأرغفة الخبز البلدي و حبات البندورة، هذا إن لم يكن سعرها اليوم مرتفع، والقليل من الزيتون المملح جميهم كفيلون بإمداد صاحبهم التفاؤل أن اليوم أفضل و الأجر مرتفعٌ عن الأمس بشواقل معدودة.

أسير على الرصيفِ وأنا أتفحص وجوه الأطفال بدقة، ملامح السعادة على وجوههم أشبه بشمعةٍ لا تنطفئ؟

يتفاخرون بالمصروف اليومي الذي حصلوا عليه من آبائهم، لا يتعدى الشيقل الواحد أحياناً!

أتذكر كم كنتُ أحمقاً وقتما كنتُ أدّخر مصروفي لأشتري دراجة ألعب بها في الفلا، ثم ما إن أجمع مبلغاً محترماً تأخذه أمي وتشتري لي بنطالاً للمدرسة بذريعة أن أبي لم يتلق راتبه لهذا الشهر!

كم كنت ساذجاً جداً حين كنت أصدق نفسي وأتفاخر بين الأولاد أن أبي يعمل في شركة بناء محترمة ويحصل على راتبٍ جيد، بينما هو لا يحصل إلا على نصف راتب!

قطعت إشارة المرور متوجهاً إلى الجهة الأخرى من نفس الشارع، تعبتُ من المشي، فقد سرتُ لمسافة طويلة، جلستُ على أحد المقاعد العامة، أسندت ظهري، ووضعت يدي فوق رأسي لأن الشمس تضرب وجهي مباشرة!

بائع الخضرة ينادي ككل صباحٍ مقولته الشهيرة " بندورة بلدية، خيار بلدي"

كنتُ أظن أن محاصيلنا الزراعية يتم تصديرها للخارج عن بَكْرَةِ أبيها، لكن ما زال هناك خير، وأملٌ لا ينقطع.

وبينما كنت سارحاً في أفكاري، غارقاً بالمستقبل، وجدتٌ فتاة في العشرينات تحجب الشمس عن وجهي، رفعت بصري، ما أجمل عيناها خضراوان كاللوزِ شبيهتان بالزمرد الأخضر، تقاسيم وجهها تسحر عقلي، ممشوقة القوام، ببشرةٍ برونزيةٍ ساحرة.

ربما تكون فتاة أحلامي، أجل.. ربما...

_ يا عماه ، إنني أبحث عن وزارةِ التعليم، قالوا لي أنها في هذا المكان لكني لم أجدها، هل لك أن تدلني عليها، قالت الفتاة ذلك.

دمرت أحلامي بثوانٍ معدودة، ثم كيف لي أن أفكر الآن بفتاة أحلامي وأنا لا أجد قوت يومي أصلاً.

أخذت نفساً عميقاً ثم أشرت لها باتجاه الشرق على بعد أمتارٍ قليلة.

أظنها تبحث عن وظيفةٍ ما، فالجميع في هذه الأيام يهب روحه من أجل العمل!

أجل، فالحصار شديدٌ لا يرحم، الغلاء قاسٍ ومتطلبات الحياة كثيرة!

وعلى حين غفلةٍ من أمري جلس طفلٌ في العاشرة من عمره بجانبي يتصبب عرقاً، تبادلنا النظرات لثوانٍ ثم خاطبته:

_ بيعٌ وفير، لكن ماذا عن المدرسة؟

_ وهل تظنني فاشلٌ مثلك، دوامي في تمام الحادية.

عقدت حاجبيّ غضباً ثم تذكرت أنني لا أتحدث مع نفسي لأعاملها بتلك الطريقة، ابتسمت له وقلت:

_جيد، عل وعسى تٌفلح!

انتفض الولد من مكانه صارخاً:

_إنك شخصٌ محبِط...

ثم عاد ليجلس ثانية بعدما أدرك أنه تجاوز حدود الأدب، خفض رأسه وأردف:

_إنني أحب المدرسة كثيراً، أريد أن أكبر و أصبحَ مهندساً يخدم شعبه ويبني العديد من المنشآت السكنية ويصمم الشركات الكبيرة، أريد أن أحوّل المدينة لجنة!

كان يتحدث وكله أمل، وأنا أشاطره الأمل في هزّ رأسي إيجاباً على ما يقول.

تذكرتٌ نفسي وأنا في عمره، عندما جلست يوماً مع والدي وأخبرته بخططي المستقبلية وبالوظيفة التي أريد أن أكون بها.

تذكرتُ كم كان من الهمة يعتليني وكم من التفاؤل يملأ قلبي، تذكرت قول جدي لي " مهما ضاقت السبل، هناك أمل"

بتر الطفل أفكاري بسيف كلماته الحادة حين صعقني بسؤاله:

_ما وظيفتك يا عم!

أخذت أفكر في نفسي

_وظيفة! أنا لم أذق بعد طعم أي وظيفة، أهدرت عمري في دراسة الطبِ ثم انتظرت حصول معجزةٍ لم تحصل معي بعد!

خاطبته والحزن يتربع في قلبي:

_ربما طبيب..

قفز الولد فرحاً : أظنني سأكون شخصاً ناجحاً في المستقبل وأصل لما وصلت إليه، فيبدو أنك طبيب ماهر.

لم تندمل جراحي بعدُ لتتفتح من جديدٍ هذه اللحظات، ابتسمت في وجهه قائلاً:

_ ستكون أفضل...

للحظةٍ تذكرتُ موعد اللقاء، كيف نسيت موعدك يا بلال!

تباً لعقلك...

هرعت من مكاني إلى حيث اللقاء لمقابلتي الخمسين في اختبارات التوظيف التي قدمت لها منذ خمسة أعوام، أسرعت الخطى وأنا ألهث من الجري وأحدث نفسي " مهما بلغت المعاناة يا بلال ما زال هناك أملٌ سيداعب حياتك ويجعلك تتحمل الصعاب أكثر فأكثر"

قابلني موظف الاستعلامات بنظرة غريبة قائلاً ببرود:

_من تريد؟.

أجبته دون أن أفكر بالجواب: أنا طالب طب قدمتُ للوظيفة قبل أعوام وقد حضرت للمقابلة اليوم متأخراً بسبب بعض الظروف.

خاطبني بنوعٍ من اللامبالاة: للأسف لقد تم تأجيل المقابلة قبل قليل للعام القادم على أن يتم اختيار خمسين طبيب من بين عشرين ألف!

عدتُ أدراجي دون أن أنْبُسَ ببنتٍ شفةٍ، خاطبت نفسي" لن تتزوج، لن تحصل على وظيفة، أنت كما أنت يا بلال، لكن...."

يرتفع صوت طفلٍ من بعيد " بندورة بلدي، خيار بلدي"...


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات وفاء إسماعيل

تدوينات ذات صلة