علي الوحيد الذي قال لي "أنا أعرف سبب التسمية لأن القلوب على اليسار

البدايات الرائعةكانت تجلس في غرفتها بالفندق يفصلها عن زفافها ساعات قليلة، وقد تعاقدت مع مركز تجميل متخصص في تزيين العرائس، وجاءت السيدة التي ستقوم بتزيينها إلى الفندق، وجلست مع العروس وشقيقاتها وبعض زميلاتها في نفس الغرفة. أوشكت المزينة على الانتهاء من عملها لكنها لاحظت أن الفتاة لا تتفاعل معها أبدا، بخلاف عادة زبائنها، فسألتها: "تفضلين أن نقصع شعرك لأعلى أم نتركه متدليا؟" فأجابت باقتضاب: "أي شيء"، فعاودت وسألتها: "من اختار لون الصبغة؟!، البني كان أفضل بكثير من النبيتي الغامق"، ردت "يسار": "لن تفرق كثيرا".بخبرتها فهمت المصففة أن تلك الزيجة ليست على رغبة يسار.صاحت في كل من بالغرفة: "ممكن نترك العروس وحدها لتهدأ، وإذا سمحتن نريد لها كوبا من اليانسون"، صاحت شقيقتها الصغرى نادين: "أنا سأحضر اليانسون"، وحينها انحنت السيدة العجوز ونظرت في عين يسار وقالت:"لماذا لا ترغبين في هذا الزواج؟"اغرورقت عين يسار بالدموع ثم زاغت نظراتها لتتجنب النظر في عين السيدة العجوز، وقالت: "لا شيء من ذلك، أنا أبكي لأن أمي ليست معي".المرأة عجوز شديدة الاعتناء بنفسها، لو رأيتها لقلت إنها متصابية، ولعرفت أنها تعمل بمجال التجميل، جلست واضعةً ساقا فوق ساق وأخرجت من حقيبتها علبة سجائرها وأشعلت السيجارة، وقالت ليسار:"أنا لست مثل أمك، ولكني سيدة عرفت الحياة على حقيقتها، أقوم بتزيين العرائس منذ أربعين عاما، عرفت أن فرحة من تتزوج ممن تحب تفوق قلقها وخجلها، كفرحة أهل الجنة، لم أرَ لها مثيلا على الأرض.أما من تتزوج رجلا تقدم إليها ولا تعرفه جيدا، لكنها ارتضته ليكمل معها حياتها، تكون سعيدة بليلة الزفاف وفستانها وكونها ملكة الليلة، وغيرها أكثر نضجا تكون سعيدة ولكن بحذر، وأخرى تتحدد فرحتها بمستوى الزيجة؛ هل تشعر أن القدر منَّ عليها بأفضل مما كانت تنتظر، أم تراها زيجة غير مناسبة لكنها أفضل من فوات القطار؟وثمة نوع آخر أعرفه جيدا؛ من لها حبيب لم تتزوجه واضطرت للزواج من آخر، هذه تبدو مثلك".قرع الباب ودخلت نادين باليانسون، وكأنها جاءت في الوقت المناسب لتنتبه يسار ولا تنهار فتحكي كل شيء لتلك المرأة.خرجت نادين بعد أن وضعت اليانسون على منضدة أمام يسار، فقالت المرأة محاولة العودة بيسار لنفس النقطة: "شاهدت من تتمنى أن يلتغي كل شيء ويأتي حبيبها إليها ليقول: "لن تتزوجيه أبدا"، بل أكثر من هذا شاهدت ذلك الحبيب يأتي ويصرخ: "كيف تتزوجين من غيري؟، لن أسمح بذلك".تمالكت يسار نفسها وقالت بحسم وفتور: "من فضلك لا يوجد أي شيء من هذا، كل ما في الأمر أنني قلقة، وأرجوكِ لا أريد أن أبكي حتى لا تفسد زينتي ونضطر لإعادتها ونتأخر عن موعدنا".وبوصفها مختصة محترفة وليست هاوية سكتت المرأة تماما، ولم تتكلم إلا في حدود عملها.لكنها تركت يسارا لنفسها، تتذكر وتفكر كيف حدث كل هذا؟!نعم لم يجبرنها أحد على تلك الزيجة، وحقا منذ سنوات المراهقة والصبا الأولى وهي لا تجد أية غضاضة في الزواج من رجل سبق له الزواج، ظنت أن من يقف عند تلك النقطة شخصا تقليديا لأبعد حد، لكنها الآن وعندما وضعت بالموقف تشعر بغصة شديدة، وكأنها أصبحت باقترابها من الثلاثين سلعة بائرة، لا يليق بها أن تتزوج من لم يسبق له الزواج، تشعر أن أهم أيام ومواقف بحياتها ستتشارك فيها مع شخص كل شيء بالنسبة له معاد، شخص فقد شغف المرة الأولى ليحل محله فتور وملل الإعادة.حقا كانت تحب عليا، حقا لو أن اليوم زفافهما لاختلف كل شيء، ولكنها نسيته يومَ قررتْ أن تتزوج غيره، لو أنها بالظروف العادية لما أقبلت أبدا على الزواج قبل أن يمر الوقت الذي تتأكد فيه أن كل شيء انتهى، لكن ما حدث أكبر منها ومن أي شيء، إنها مهددة بالجنون.تشبه ساعة أنيقة، لا علاقة لكل عقرب من عقاربها الثلاثة بالآخرَين، كلٌ يدور في فلكه، ولا يمكن أن تلتقط من تلك الساعة أية إشارة مفيدة، رغم أنها لا تتوقف أبدا .يصعب على من لم تمر عليه ولو لحظة يشعر فيها أن عقله عاجز عن استيعاب ما يحدث أن يتفهم ما عانت.قاسية هي الأيام، أم أن الفتنة كبيرة، والاختبارات شديدة، أصبحنا نعيش في عالم منفتح ييسر لنا أن نُعجب ونحب ونتعلق، ولكن قد لا يقدر لهذا الحب الزواج، فيكتب علينا الألم، ومن ثم نُدفع لاختيارات وقرارات أحلاها مر، مرارة لا يعرفها إلا من ارتشفها، وقد احتست يسار كأسها كاملة، حتى باتت المرارة بحلقها لا يذهبها حتى شربات الزفاف.قد يعجب كثيرون لمن صار الحب أكبر ألمه، ولا يعلمون أن ثمة من يعاني أكثر مما ينبغي، فيرى أن الحب هو الشيء الوحيد الذي سيداوي ألمه، وعلى الأغلب هذا الشخص امرأة.


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات مدينتنا غير الفاضلة ارحلي

تدوينات ذات صلة