للمرّةِ الأولى، أشعر بواجبي تجاه الكتابة. أكتبُ هذه التدوينة بدافعِ المحاولة.

لطالما عرفتُ، أنّني سأكتبُ هذه التدوينة. شيءٌ ما في داخلي يخبرني بأنّ هذه المرّة ستكون محاولتي مُجدية، وتتوقّف عن كونها عبثيّة إلى هذا الحدّ. فما الجدوى من الانتظار؟ إن كانَ سيُفضي إلى المزيد منه. ما جدوى محاولاتنا المُنهكة، إن لم نستطع أن نلمحَ طيفَ الانتصار في أوّل المعركة؟ لماذا نجازف في اختراق ذروة السراب و المستحيل للوصول إلى الممكن بطريقةٍ غير مشروعة؟


لقد تخلّصتُ من أقلامي منذُ مدّة، واتّخذتُ حاسوبي المحمول فضاءً لي، أسبرُ  في كيانه العملاق كما أشاء، لا شيءَ يحدّ من سطوتي، ولا شيء يمنعني من التحليق. أجلسُ كما أريد، أضّجع، أغفو، أتقلّب، لكنّني لا أتوقّف عن ضربِ هذه الآلة بأصابعي، أشعرُ بلذّةٍ غريبة, ونشوةٍ تسري في جسدي، تدفعني للاستمرار في الغرقِ ونبشِ ما هو آتِ.


أنا راضٍ ولا أريدُ في هذه اللحظةِ، سوى أن تكتملَ هذه التدوينة على أيّ حال، لا يهمّني إن خرجتُ بمئةِ خطأ نحوي، لا يَهمّني سوى أن يتّسعَ لي هذا السرداب الممتدّ، الملتوي في أعماق روحي.


أشعرُ أحيانًا، أنّني لا أمتلكُ القدرة على الاختيار، كأنّني مجرّدٌ من أبسطِ حقوقي، لم استطعِ اختيار تخصّصي الجامعيّ، لم استطعِ اختيار أصدقائي، وأعجزُ أحيانًا عن اختيارِ الأشياء التي أدرك يقينًا، أنّني أريدها، لكنّني لا أفعل. أقولُ لكلّ الأشياء من حولي: نعم, نعم لكلّ شيء. نعم لرحلةٍ جامعيّة بلا خارطة وبلا هدف، نعم لأصدقاء لا يهمّهم ماذا أكتب أو بماذا أهذي كما يروق لهم أن ينعتوني عادةً عندما أحدّثهم عن كتابٍ أو مقالٍ يؤرّقني، نعم لعائلةٍ لا تستطيع أن تدركَ ماهيّةَ القلق الذي لا يتوقّف عن ملاحقتي، نعم لكلّ شيء.


كانت اللحظة التي أمسكتُ بها القلم وقرّرتُ أنّني سأكتب، اللحظة الوحيدة التي شعرت بها أنّني أريد أن أقول لشيءٍ ما: لا. ولكنُني اكتشفت على حينِ غفلةٍ منّي، بأنّني لم أخترِ الكتابة يومًا، وأنّها التي اختارتني، لسببٍ لا أدركه، وربما لا أريدُ أن أفعل. إن الأشياء التي نجهلها لها القدرة على الاستمرار، تستطيع التخفّي بعروقنا، وتشكّلنا، لتنقضّ علينا مرةً واحدة، ويكتمل المشهد.


للمرّةِ الأولى، أشعر بهذا الواجب تجاه الكتابة، كأنّني أخوضُ بحرًا من الكلمات بمفردي، ولا شيء يحرّضني على الكتابةِ، غير أنّني أريد أن أكونَ مقروؤًا، هُنا بين سطورِ هذه التدوينة، لا أريد لهذه التجربة الإنسانية أن تُذروَها الرياح. تتجلّى رغبتي في الكتابة، في أن أشكّل مصدر أرقٍ لقارئي، لا أقبل بأن أُنسى بهذه البساطة، وأكثر ما يخيفني: أن ينساني الذين أحبّهم.


وجهي مؤقّت، وجرحي حديقة. في الصباح أغنّي مع العصافير، وفي المساء يسرقني الغيم. مرّ على جثّتي كثيرون، ومررتُ بكثيرين. وفي كلّ مرّة كنتُ أقطعُ فيها الطريق وحدي، أصل وأنجو بقدَرْ، كأنّ الموت يرقبُني بعينٍ واحدة، ولا يرفّ له جفن.


ثمّة خطرٌ يحومُ فوق رؤوسنا في الخارج، ينتظر اللحظة المناسبة ليتسلّلَ عبر حويصلاتنا الهوائيّة. كلّ شيء مبعثر هُنا: وجهي، كتبي، وسريري. أحاولُ يائسًا ترتيب الأشياء من حولي: كوب من القهوة ورواية لم أقلب الصفحة عن إهدائها، ديوان للشعر، ونصف تفاحة تصرّ أن يأكلَها العفن بدلًا منّي، ووجه ليوناردو ديكابريو يرقُبني من خلال شاشةِ هاتفي. لم أخبركم عن هوسي الطارئ بالأفلام، وبما أنّني لا أنوي أن أبقي الأمر سرًّا، فقد اكتشفت بأنّني لطالما رغبتُ بأن أكتبَ سيناريو يومًا، أو أن أقتبس دور ألباتشينو في THE GOD FATHER، أو دور روبرت دي نيرو في THE IRISHMAN، حقًا هذه العزلة تدفعني إلى الجنون.


خططُ تنظيم الوقت في هذه العُزلة القسرية، تدفعني للتقيّؤ. كلّما حاولت أن أضبطَ ساعتي البيولوجيّة، خرج لي أحد عقارب السّاعة وبالَ في وجهي، ولا أدركُ مدى سذاجتي حتّى استيقظ في الواحدة ظهرًا، متأخرًا عن الخطةِ خمس ساعات، يا للسذاجة، كيف سيكون شكل الحياة دونَ فوضى، دون أرق؟ كيف سيكون شكل الحياة لو أننا أسلمنا أعيننا للنومِ الطبيعيّ، كيف سيكون شكل الحياة لو أنّنا لم نجد من يشاركنا الأرق، الرسائل، والتعب!


اقرأ في كل شيء، اقرأ في الأدب، في السياسة، وفي التاريخ على وجه التحديد، تربطني علاقة غريبة بكلّ ما هو قديم، حتى في الأشياء التي تخصّني، أشعر بنوستالجيا خفيّة تتربّص في ذاكرتي وتؤدّي دورَ الحنين غير المبرّر. القراءة تحرّضني على الكتابة، كما يفعل البخار المتصاعد مع الغيمات، يحرّضها على التخلّي عن المطر في اللحظة الأخيرة قبل التجمّد.


أخشى النهايات كما أخشى هذيان البداية، أريد أن أعرف أكثر، واقرأ أكثر، وأحسّ ضوء الفجر ينساب في عينيّ، ولا أريد أن أتوقّف عن الكتابة. اللحظة التي أعرف فيها، أنّني على مشارف أن أضعَ نقطة أخيرة وأمضي، وأتأكد من سلامة النصّ، وأحرص على اكتمال المشهد، هي ذات اللحظة التي أشعر فيها بأنّي قد فُضحتَ تمامًا, وتمّ كشف أمري، وفاتَ الأوان. ولأول مرّة، أشعر أنّني راضٍ، وأخفّ من ريشةِ الكتابة.










التعليقات

Malyana Tima ٢٤ تشرين أول ٢٠٢٠

جميل جدااااااا

Arwa Bakhsh ٣ تشرين أول ٢٠٢٠

كعادتك يا أحمد جرعة أدبية تعيدنا إلى الوراء حيث العظماء و صانعي الحرف، تتوسطهم كساحرٍ يجيد تمامًا ترتيب مشاعره و تأنيق زوايا حروفه 🖤

Shareefa Maher ٣ تشرين أول ٢٠٢٠

أحمد كعادة حروفك تتألق، مبارك لك التدوينة الأولى وأتمنى لك مزيد من النجاح

Fatima Rabah
Fatima Rabah ٣ تشرين أول ٢٠٢٠

عصف ذهني و علاجٌ بالكلام ، حين تستطيعُ أن تخرج الزيرَ من البير بنص في حين يفشل البيلدوزر بهذا!!

Fatima Al-Najjar ٢ تشرين أول ٢٠٢٠

أشعر بهذه التدوينة بأنني أنجزت تلك الرواية التي ما زلت أهرب من حروفها أو لربما حروفها تهرب مني.. نعم أحمد تدويناتك وكل حرف تكتبه يخبرني أن الحروف تنتظرنا دومًا لنضمها.. مبارك التدوينة الأولى ومن بعدها أسأل الله لك مزيدًا من الخير والكتابة والشعر 🌸

Yosef melaf ٢ تشرين أول ٢٠٢٠

احمد كما عهدناه عظيمًا دام حبر قلمك و حروفك يا عزيزي ❤❤