"البحث العلمي ليس هواية أو سد خانة - هو انتاج العلم والتكنولوجيا والمعرفة"




البحث العلمي مثل البحث الجنائي بل يكاد يكون أشد خصوصية.


بنظرة عامة وشخصية وغير احصائية على واقع البحث العلمي في مصر، أستطيع القول أن البحث العلمي قوامه وركيزته الأساسية هم طلاب الدراسات العليا للماجستير والدكتوراة علي وجه العموم ومن هم من خارج الجامعة علي وجه الخصوص. وبالطبع هذا طبيعي ومقبول لأن الطالب يقوم بالبحث العلمي تحت اشراف استاذ متخصص ومعه هيئة اشراف من المتخصصين قد تصل إلى ٤ من الحاصلين على الدكتوراة سواء في نفس المؤسسة أو من مؤسسات مختلفة.

 

ومع أن دور باحث (درجة زميل) ما بعد الدكتوراة Postdoctoral Fellow، وهي الفترة الثلاث إلى خمس سنوات بعد الحصول علي الدرجة والموجودة في كل انحاء العالم المتقدم ، لها دور كبير جدا وأكبر من دور طالب الدراسات العليا، إلا أن هذه الدور غائب إلي حد كبير في مصر اللهم في أماكن محدودة. نظرا لأن كل من يحصل علي الدكتوراة في مصر من السادة اعضاء هيئة التدريس يعين مدرسا في الجامعة وينخرط في المهام المختلفة من التدريس وكنترولات وجودة وعمال امتحانات. حتى المعيدين والمدرسين المساعدين أنفسهم غير متفرغين للبحث العلمي ولو بنسبة 50%. أما من يحصل علي الدكتوراة من خارج الجامعة فلا يعود للجامعة نظرا لعدم وجود وظيفة وهي باحث ما بعد الدكتورة.


ولو نظرنا علي وضع باحث الدراسات العليا المنوط به البحث العلمي نجد أنه غير مؤهل في معظم الحالات علي القيام ببحث علمي رصين بسبب عدم تفرغه. صحيح أن أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا تخص منح لمشروعات التخرج والطلاب الماجستير إلا لا تسطيع دعم كل الطاب لأنه عبئ كبير. وصحيح ان مدينة زويل والجامعة المصرية اليابانية وجامعة النيل تقدم منح للماجستير والدكتوراة ولكن اعداد الطلاب المقبولين قليل جدا بالنسبة لعدد طلاب الدراسات العليا في مصر.

 

ولذلك أستطيع أن ألخص الاسباب الرئيسية لنجاح البحث العلمي في الخمسة أسباب التالية:


1)           التفرغ التام لباحث الماجستير أو الدكتوراة.

2)           تفرغ الأستاذ ولو بدرجة 5% للإشراف علي البحث العلمي.

3)           تمويل البحث وعدم الاعتماد علي الجيب.

4)           وجود معمل مجهز ومكان للباحث.

5)           توفر مكافأة شهرية للباحث.


فإن لم تتحقق الخمسة أسباب هذه فلن ينجح البحث العلمي التطبيقي ولن نحصل علي المتوقع منه، بل سيصبح بحث علمي شكلي من أجل الترقي والحصول علي درجات علمية. فهناك الكثير من الطلاب الذين لا يعرفون ما هي الفرضية العلمية وكيف تصاغ، وماهي المشكلة وراء هذا الفرضية وهل تحقق الفرضية في شيء جديد أم مجرد فكرة عن سمع. بل هناك الكثير من الباحثين الذين لا يعرفون أسس الكتابة العلمية، ولا الفارق بين الملكية الفكرية والابتكار والنموذج الأولي، ولا الفارق بين المقدمة والمسح التاريخي والمناقشة. وأنا أشفق علي الباحثين لأنهم هم من يتحملوا العبء الاكبر سواء مالي أو علمي أو فني أو نفسي.


البحث العلمي مثل البحث الجنائي بل يكاد يكون اشد خصوصية. فالبحث العلمي لا يتم بالقطعة، ولا حسب وقت الباحث، ولا بشراء خدمات مقدمة من الآخر مقابل تحاليل أو كتابة، البحث العلمي منظومة بطلها ومديرها الباحث الذي يجب أن يكون متفرغا وملما بقواعد البحث العلمي وممولا من مشروع في معمل مجهز ليكون مطورا لعلمه ومعلوماته أولا بأول.


ولذلك ادعو بشدة لوقف نزيف الدرجات العلمية الغير ممولة، واقترح الآتي:

1)  قبول تسجيل الدرجات العلمية فقط الممولة من مشروعات أيا كان مصدر وقيمة هذه المشروعات.

2) ايجاد وسائل لتفرغ الباحث تفرغ كامل اثناء اجراءه البحث العلمي وحصوله على مكافأة شهرية تغنيه عن العمل.  

3) استحداث وظيفة باحث (زميل) ما بعد الدكتوراة في كل مؤسسة بحثية ليكونوا متفرغين للبحث العلمي وللاستفادة من الأعداد الكبيرة للحاصلين علي الدكتوراة ولم يعينوا في الجامعات أو مراكز البحوث.

4) انشاء معهد بحثي للدراسات العليا والبحوث في كل جامعة خاصة كانت أو حكومية.

5) اعفاء المدرس الحديث الحاصل علي الدكتوراة من التدريس وأعمال الكنترولولات والامتحانات والجودة ولمدة ثلاث سنوات.

6) ندب السادة الحاصلين علي الدكتوراة من خارج الجامعة للقيام بالبحث العلمي فقط من خلال مشروعات تقدم لهم دون غيرهم.


المعادلة سهلة وبسيطة، فليكن العصر القادم عصر النوع وليس الكم.

 

مع خالص تحياتي

 

ا.د. محمد لبيب سالم

أستاذ علم المناعة كلية العلوم جامعة طنطا 



إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة