"طوبي لمن أعطاه الله الفرصة في أن يشتغل بالعلم عموما، وفي العلوم التجريبية على وجه الخصوص، وفي العلوم البيولوجية على أدق الخصوص"


يظن كثير من الناس أن العلماء في الآية الكريمة "انما يخشى الله من عباده العلماء" هم فقط علماء الدين الذين يبحثون في علوم التفسير والحديث والفقه وغيرها من العلوم الدينية. ولكن هناك صنف آخر من العلماء وهم ليسوا بعلماء دين، ولكنهم علماء تجريبيون تخدم نواتج أبحاثهم الدين سواء بطريق مباشر أو غير مباشر. هم علماء يدركون فلسفة الأديان ونصوصها الدينية بعمق وعن فهم واعمال للعقل وليس فقط النقل. وقد ساعدت أعمال هؤلاء العلماء التجريبين الفهم الدقيق للمفاهيم العلمية التي وردت في القرآن الكريم حتى ظهر ومن عقود ما يسمي "الاعجاز العلمي في القرآن الكريم" وكذلك في الكتب السماوية عامة.


فكما أن هناك علماء دين يبحثون في فروع العلوم الدينية المختلفة وواعظين دين يقرأون ما يصل إليه علماء الدين وينقلونه لغيرهم في صورة مواعظ وكتب ودروس وعبر، فهناك أيضا علماء يقومون بالبحوث التجريبية، ومعهم باحثين هم طلاب في محراب علومهم، ومدرسين يقومون بتدريس الإنتاج العلمي لهؤلاء العلماء في المدارس والجامعات.


وفي الواقع، لم يتم تقسيم العلوم عامة إلي العلوم الدينية والتجريبية والإنسانية وما يندرج تحتها من علوم فرعية إلا من أوائل القرن العشرين أي منذ حوالي مئتي عام فقط. وقبل ذلك كان معظم العلماء موسوعيين، بمعني أنهم كانوا يبحثون في العلوم الدينية جنبا إلى جنب مختلف العلوم التجريبية والإنسانية.

ومن وجهة نظري الشخصية، فإن أكثر العلماء فهما وإدراكا لآيات الله في خلقه هم علماء البيولوجيا لأنهم يبحثون في علوم الكائنات الحية وعلي رأسها الانسان. فعالم البيولوجيا عندما يقول "سبحان الله" فهو يقولها من عقله قبل قلبه لأن القول يصاحبه تدبر في خلق الله للخلية التي يراها تحت الميكروسكوب أو في المزارع الخلوية أو في أنبوبة الاختبار.


فعالم البيولوجيا يري بنفسه المكونات العجيبة للخلية التي يعجز أي مصنع تكنولوجيا في العالم أن يخلقها على مستوي هذا المقياس المجهري ولو بدون روح. فكل ما تستطيع المصانع انتاجه بعد كل هذا العلم التراكمي والتقدم التكنولوجي الهائل هو بعض الجزيئات التي تحاكي مثيلتها في الخلية. ولذلك فكملة "سبحان الله" يقولها عالم البيولوجيا وهو يعلم مع كل حرف ينطقه فيها كم هي دقة ونظام وتناسق وابداع خلق الله في أنفسنا وفي أنفس كل الكائنات الحية من انسان وحيوان ونبات.


وعالم البيولوجيا إذا سألته كيف خلق الله الانسان بشرا والفراشة حيوانا، فلن يكتفي بالإجابة النقلية التقليدية ويقول: لأن الله أراد ذلك فجعل هذا انسان وهذه فراشة"، بل سوف يزيد في اجابته ويقول: لأن الله سبحانه وتعالي أودع في الانسان 46 كروموسوم وفيهم جينات تعطي صفات البشر وأودع في الفراشة 360 كروموسوم، ولكن لا يوجد فيهم جين واحد يعطي صفات البشر.


وعلماء البيولوجيا لا يتوقفون فقط عند ذكر الأسباب العلمية وراء خلق الله للإنسان والفراشة، بل سوف يزيدون ويشرحون لك كيف صف الله الجينات في كل كروموسوم بنظام محكم دقيق يخلو من أي عشوائية، وكيف عبئها الله في مساحة نانونية، وكيف جعلها تعمل مع جينات أخري على نفس الكروموسوم أو على كروموسومات أخري في نفس الخلية، وكيف تعمل هذه الجينات وكيف تصنع البروتينات. سوف يشرحون لك كل هذا ليس فقط عن قراءة، ولكن من خلال أبحاثهم التي انتجها فريقهم البحثي.


وعالم البيولوجيا هو أكثر إنسان يشعر بعمق وحلاوة والمعاني الكامنة في تسبيح "سبحان الله" لأنه يقولها بعقله قبل قلبه، يقولها وهو يتذوق طعم خلق الله، يقولها ليس فقط مجرد كلمات نقلية، ولكن بنفحات عقلية لأنه يري الله في خلقه داخل وخارج الخلية في أصغر كائناته وأقلها تطورا، وفي أكبر كائناته وأكثرها تطورا.


وعالم البيولوجيا يعيش داخل محراب العلم التجريبي النقلي والعقلي. يقرأ ليدرك، ثم يحلل ويستنتج، ثم يؤمن ويسأل، ثم يجرب فينتج، ثم يؤمن أكثر فيزداد إيمانا. العالم البيولوجي هو ذلك العقل الذي يعقل بقلبه وهو ذلك القلب الذي يؤمن بعقله.


وعالم البيولوجيا يقرأ ويتعلم ويتدبر في خلق الله في الكائنات الحية جمعاء، فيصبح ايمانه عقليا فيتدبر النقل القرآني حتى تصبح كل كلمة فيه كالخلية الجذعية التي تتجدد فتعيش أبد الدهر وتخرج منها معاني جديدة تتناسب مع كل زمان ومكان. حتى أن علماء الدين يأخذون عن العلماء التجريبين بما يتناسب مع المفاهيم العلمية الدينية وينقلونها بطريقتهم إلى القراء والمستمعين والمشاهدين على أنه برهان ودليل على الإعجاز العلمي في الكتب السماوية. وبالطبع، يتأثر الناس بما يسمعونه من رجال الدين متناسين من كان وراؤه من رجال العلوم التجريبية وخاصة علماء البيولوجيا.


وعالم البيولوجيا سوف يخبرنا عن تاريخ العلم وعن الفارق المعلوماتي الهائل بين العلوم والمعرفة منذ 1400 عام ومدي التطور التكنولوجي الذي حدث لها حتى الآن وما حدث تقدم العلوم والمعرفة على مستوي الخلية والجزيئات. وكيف أن العالم كان لا يعرف لا النسيج ولا الخلية تم أصبح يدرك أن الخلية الحية هي المكون الرئيسي للكائن الحي آية كان نبات أو حيوان أو انسان ويا كان حجمه أو درجة تطوره سواء كان دودة في بطن الأرض أو طائر يطير في السماء أو حوت يغوص في البحار.


وعالم البيولوجيا سوف يكتب لك كتب ومجلدات في الجزيئات التي تعمل كخلية نحل داخل الخلية بنظام محكم. وكيف أنها لا تتوقف عن العمل طوال اليوم في تناسق وتزامن وتعاون لم يستطع العلماء فهم كيفية حدوثه كاملا حتى الآن. وسوف يرسم لك لوحة فنية رائعة عن خطوات انقسام الخلية إلى اثنين، ثم إلي أربعة، ثم إلي ثمانية تم إلي ستة عشر خلية، وهكذا في تاليات عددية محكمة. وسوف يخبرك عن الفروقات بين الخلايا وبعدها داخل الكائن الحي وبين الكائنات الحية. ثم يخبرك عن العواقب الوخيمة التي تحدث للخلية والنسيج والعضو إذا ما حدث خلل في وظيفة أي جزء منها.


وعالم البيولوجيا سيخبرك كيف يمكن أن نتعلم من الخلية نفسها عندما نبحث عن علاج يشفي أي خلل قد يحدث في وظائفها من أجل أن يعيد الخلية إلى حالتها العادية. بل سوف يخبرك بدقة متناهية عن أنواع موت الخلية وكيف تدخل الخلية في حالة كل نوع، وكيف تتحلل الخلية وكيف يتخلص الجسم من الخلايا الميتة ويستعيد بدلا منها خلايا جديدة أكثر شبابا. وسوف يخبرك عالم البيولوجيا عن كل ذلك وكأنه يقرأ نشرة أخبار المساء.


وعالم البيولوجيا سوف يصور لك وببساطة شديدة عن دهشة العالم الألماني “هوك" عندما اكتشف ولأول مرة أن الخلية هي الوحدة التركيبية لأي كائن حي بعد أن رأي الخلية بنفسه تحت المجهر. وسوف يصور لك دهشة العالم مورجان عندما اكتشف منذ 200 عام أن هناك ما يسمي كروموسومات. ثم كيف انقلب العالم كله عندما توصل العالمان الأمريكيان "واتسون وكريك" عام 1956 إلى التركيب الدقيق للحامض النووي الذي يكون الكروموسوم. سوف يقص لك تاريخ العلوم وكيف ان العالم قبل ذلك كان يجهل الحقائق العلمية البيولوجية رغم علمه ببعض الحقائق الفيزيائية والكيميائية. وقد أشبه قراءة عالم البيولوجيا لتاريخ العلوم البيولوجية بعالم الدين وهو يخبرك عن تاريخ الحديث والتفسير والفقه..


وعالم البيولوجيا، سوف يخبرك وبثقة كبيرة كيف أن علماء البيولوجيا جميعا بكل تخصصاتهم الدقيقة ومشروعاتهم العلمية العملاقة سيجيبون عليك بتواضع جم إذا ما سألتهم عن مدي إلمامهم بعلم البيولوجيا "وما أوتينا من العلم إلى قليلا" وكيف أن كل معامل البيولوجيا في العالم أجمع تتنافس بشراسة وفي سرية ممزوج بالتعاون عن الكشف عن أسرار البيولوجيا للتعلم منها في الصناعة والطب والصيدلة.


وعالم البيولوجيا سوف يخبرك كمدرب كرة محترف عن الفرق البحثية للعلماء في أكبر جامعتها من جامعات هارفارد، وستانفورد، وايموري في أمريكا إلى جامعات طوكيو، وأوساكا، وكيوتو، وكيوشو، في اليابان إلى جامعات هامبورج، وهانوفر، وهايدلبرج، وماكس بلانك بألمانيا إلى جامعة سول في كوريا إلى جامعات القاهرة، وعين شمس، والإسكندرية، والأزهر، وأسيوط، والمنصورة، وطنطا وغيرها في مصر إلى جامعات الملك سعود، والملك عبد العزيز، في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال لا الحصر. سيخبرك أن كل تلك المعامل في كل هذه الجامعات العريقة لم تستطع فك شفرة وسر العديد من العمليات البيولوجية التي تحدث في الخلايا المختلفة، بل كلما قاموا بحل شفرة ظهرت لهم شفرات أخري أعقد من الأولي.


وأنا لا أخص علماء البيولوجيا لأنه تخصصي، ولكن لأن كل العلوم تنصهر في دراسة علم البيولوجيا بما فيها الهندسة، والفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والطب، والزراعة وحتى ريادة وإدارة الأعمال، والاقتصاد، والقانون، والسياسة. وتنصهر كل هذه العلوم في علم التكنولوجيا الحيوية، والهندسة الوراثية، والمعلوماتية الحيوية. فهناك علم الكيمياء الحيوية، والفيزياء الحوية، والرياضيات الحيوية، والهندسة الحيوية، والطب الحيوي، والفن الحيوي، والاحصاء الحيوي، والمعلوماتية الحيوية وغيرها من العلوم التي امتزج فيها علم البيولوجيا بالعلوم الأخرى فتكونت علوم هجينة.


قد لا يشعر القارئ بما أعنيه تماما من هذا المقال عن مدي العمق الايماني لعالم البيولوجيا المؤمن ومدي فهمه وادراكه للدين ودقائق النفس خاصة من منظور بيولوجي. ورغم أن هناك العديد من علماء البيولوجيا من هم ملحدون وينكرون وجود إله للكون، إلا أن معظم هؤلاء قد ولدوا ملحدين أو تأثروا بالتقدم العلمي بصورة كبيرة جعلتهم يعتبرون العلم نفسه هو إلهه. ولذلك فأنا أتحدث هنا عن العالم البيولوجي الذي يؤمن بالله والذي تحول ايمانه المطلق المبني على توارث الدين والايمان بالحقائق والغيبيات إلى رجل عرف الله بعقله جنبا إلى جنب مع قلبه. وتلك من وجهة نظري، هي أعظم درجات الايمان لأنها معرفة مبنية على إدراك وتصديق مبني على تأمل وتدبر.


فإيمان عالم دينية هو ايمان مطلق لأنه يستخدم تفسيرات وشواهد العلوم الدينية نفسها في اثبات وجود الله، بمعني اثبات الايمان بجزيئات الايمان نفسه. ولنا في الدولة الأموية والعباسية في العراق والشام والفاطمية في مصر وكذلك عصر الكهنوت في أوروبا العبر والمثال في ذلك. وبالطبع قد يتأثر ذلك أيضا بطبيعة العصر وخاصة طبيعة حكامه. والعالم والمفكر في العلوم في الإنسانية قد يستخدم التحليل المنطقي ليقدم دلائل يثبت بها ايمانه المطلق بوجود الله، ولكن مازالت هذه الدلائل، ومع أهميتها وجمال منطقها، براهين نظرية، والتي تتغير تغيرا كبيرا في النظريات من وقت لأخر تغير قد يصل إلى التضاد والعداء.


أما عالم البيولوجيا فيري بنفسه ويسمع الدلائل البيولوجية بعقله حتى يكاد يشهق تعجبا في كل مرة يخرج منها بمعلومة جديدة قرأها أو أنتجها بنفسه ثم أدركها وحللها واستنتج منها الآيات والعبر ثم حولها إلى حقائق يتداولها الناس ليقولون بدورهم "سبحان الله". بل أن المفكرون يعتمدون على هذه النتائج والشواهد العلمية ويربطونها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تفسير الآيات العلمية بالكتب السماوية وخاصة القران.


ولذلك فعالم البيولوجيا لا يحتاج إلى مسبحة في يده لكي يسبح الله لأن تسبيحه في عقله ويتذوق حلاوة الايمان في قلب. وأستطيع القول إن عالم البيولوجيا الذي عرف الله بعلمه هو أكثر عباد الرحمن تسبيحا بطبيعة عمله.


فطوبي لمن أعطاه الله الفرصة في أن يشتغل بالعلم عموما، وفي العلوم التجريبية على وجه الخصوص، وفي العلوم البيولوجية على أدق الخصوص.

د. محمد لبيب سالم

أستاذ علم المناعة

كلية العلوم جامعة طنطا

وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر




ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة